الاثنين، سبتمبر 28، 2026

ذهبٌ صامت، جوازٌ دبلوماسي. بقلم أ. مصطفى أحمد علي


ذهبٌ صامت، جوازٌ دبلوماسي: ما الذي تُخفيه قضية الـ54 كيلوغراماً في مطار محمد الخامس؟

مساء الثلاثاء 20 غشت (أغسطس) 2026، لم تكن جمارك مطار محمد الخامس تبحث عن أسرة بعينها. كانت تراقب حركة غير مألوفة قرب مراحيض منطقة الترانزيت الدولي. عندما انتهى التفتيش، كان أمامها 54 كيلوغراماً من الذهب موزَّعة على أجساد خمسة أشخاص من بينهم ثلاثة قاصرين، وجوازات سفر دبلوماسية احتُجّ بها لمنع التفتيش، وأربع بطاقات مصرفية، وملف تحقيق ما زال - بعد أكثر من شهر - بلا إجابات علنية. هذه الوقائع موثّقة بمصادر صحفية مغربية وموريتانية متعددة؛ أما تفسيرها فلا يزال مفتوحاً. وهذا بالضبط ما يستحق أن يُروى بدقة، لا بافتراض.

الوقائع كما وثّقتها التقارير

بلغ المحجوز، بحسب محضر البحث كما نقلته “صحراء ميديا”، 53 سبيكة وزن كل منها كيلوغرام واحد، إضافة إلى أربع قطع أخرى بلغ مجموعها كيلوغراماً، أي 54 كيلوغراماً إجمالاً، كانت موزَّعة على أجساد أفراد الأسرة الخمسة ومثبَّتة تحت الملابس . عُثر لدى رب الأسرة أيضاً على أربع بطاقات مصرفية: ثلاث بطاقات “ماستركارد” وبطاقة رابعة صادرة عن البنك الوطني الموريتاني .

قدّر محضر الجمارك الرسمي قيمة الذهب بنحو 74.79 مليون درهم مغربي، والرسوم والمكوس المستحقة بنحو 17.81 مليون درهم، بينما تداولت تقارير صحفية تقديراً أعلى بلغ نحو 135 مليون درهم . هذا تناقض مالي جوهري لا يجوز حسمه قبل ظهور نتيجة فحص عيار السبائك والأساس المعتمد في التقييم.

أُحيل الزوجان على النيابة العامة ووُضعا رهن الحراسة النظرية تحت إشراف نيابة عين السبع بالدار البيضاء، بينما أُطلق سراح الأطفال الثلاثة بعد استكمال الإجراءات بحضور وليّهم القانوني . وحضر ممثلون عن القنصلية الموريتانية عمليات التفتيش بعد إخطارها . وحتى آخر معلومة نُشرت وأمكن التحقق منها، لم يصدر حكم نهائي في الملف؛ لذلك تظل الأوصاف من قبيل التهريب وغسل الأموال وتمويل جهة سياسية أو مسلحة فرضياتِ تحقيق، لا وقائع قضائية ثابتة.

روايتان لا رواية واحدة: من أين جاءت الأسرة فعلاً؟

هنا تتفرّع المصادر. الرواية الأولى، التي نقلتها “لوسيان” (Le360) و”الأخبار”، تقول ببساطة إن الأسرة وصلت مباشرة من دبي وبحوزتها الذهب . أما الرواية الأكثر تفصيلاً، المستندة إلى محضر البحث، فتفيد بأن الأسرة وصلت إلى الدار البيضاء من مدينة ملقة الإسبانية، وأن رب الأسرة اشترى الذهب على مراحل في الإمارات، ثم كلّف أحد موظفيه الموريتانيين بنقله إلى ملقة حيث تسلَّمه منه هناك . وتضيف هذه الرواية أن تحركات الأسرة القادمة من ملقة تزامنت، قرب مراحيض منطقة الترانزيت الدولي، مع تحركات مسافرَين موريتانيَّين آخرين قادمَين من دبي ومتّجهَين إلى نواكشوط - وهو ما أثار شبهة تسليم أو تبادل بين مجموعتين على مسارين مختلفين. وقد نفى المسافران الاثنان أي صلة بالذهب أو بنقل أي شيء لأفراد الأسرة، مقرَّين فقط بمعرفة سابقة وصلة قرابة عامة برب الأسرة .

هذه الفوارق ليست تفصيلاً هامشياً، بل تغيّر طبيعة السؤال نفسه: من “لماذا أعاد الرجل ذهب دبي إلى موريتانيا؟” إلى سؤال أدق: هل شهد مطار الدار البيضاء عملية تسليم أو تبادل للذهب بين مجموعتين وصلتا من اتجاهين مختلفين؟ لا يحسم أي مصدر منشور حتى الآن أيّاً من الروايتين بشكل قاطع، وهذا التناقض بحد ذاته من أول ما يجب أن يوضحه التحقيق.

الجواز الدبلوماسي ليس حصانة مطلقة

احتج أفراد الأسرة في البداية بجوازات سفر دبلوماسية لرفض التفتيش. أكّدت القنصلية الموريتانية صلاحية الجوازات من حيث تاريخ الانتهاء، لكنها أوضحت في المقابل أن رب الأسرة لم يعد نائباً؛ وقد صرّح هو نفسه بأنه شغل مقعداً نيابياً بين عامي 2013 و2022 . وحمل جواز دبلوماسي، في ذاته، لا يكفي لإثبات صفة “المبعوث الدبلوماسي” أو التمتع بالحصانة: العبرة في القانون الدبلوماسي بالصفة والاعتماد الفعلي لدى الدولة المستقبِلة، لا بنوع وثيقة السفر وحدها.

كما ينبغي التمييز بين الجواز الدبلوماسي والحقيبة الدبلوماسية. تقضي اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية بعدم جواز فتح الحقيبة الدبلوماسية أو حجزها، لكنها تُجيز تفتيش الأمتعة الشخصية للمبعوث الدبلوماسي نفسه متى وُجدت أسباب جدية للاعتقاد بأنها تحوي مواد محظورة أو غير مشمولة بالإعفاء، على أن يجري التفتيش بحضوره أو بحضور ممثل مفوَّض عنه . وبناءً عليه، لا تثبت وقائع هذه القضية - وفق المعطيات المتاحة - استعمال “حقيبة دبلوماسية” بالمعنى القانوني؛ الثابت فقط هو إبراز جوازات دبلوماسية ومحاولة الاستناد إليها لمنع التفتيش، وهو ما لا يمنحها الحصانة التي احتُجّ بها.

الذهب أم “خام الذهب”؟

تصف بعض التغطيات المضبوطات بأنها “ذهب خام”، غير أن الوصف الأدق المنقول عن محضر البحث يتحدث عن سبائك موحدة الوزن (كيلوغرام واحد لكل سبيكة) وأربع قطع إضافية. والسبائك الموحَّدة ليست “خاماً” جيولوجياً بالمعنى الدقيق؛ فقد تكون ذهباً مصفّى بدرجات نقاء مختلفة أو سبائك نصف مصنَّعة، ولا يمكن الجزم بمنشئها أو عيارها بالنظر المجرد. لهذا أُحيلت المضبوطات، وفق تغطية صحفية مغربية، إلى مختبرات متخصصة لتحليل خصائصها التقنية ودرجة نقائها.

هذه النقطة حاسمة تقنياً: فإذا حملت السبائك أرقاماً تسلسلية أو دمغات مصفاة معروفة، أمكن تتبع آخر جهة صهرتها أو سوَّقتها. أما إذا أُزيلت العلامات أو أُعيد الصهر، يصبح إثبات الأصل المنجمي أصعب بكثير. وتُلزم معايير العناية الواجبة الدولية في قطاع الذهب (OECD وLBMA) بتوثيق المنشأ والوزن والعيار والمورِّد ومستندات الاستيراد والتصدير والنقل، وربط كل دفعة بسجل تتبع مستقل .

لماذا يُنقل الذهب عكسياً؟ السياق الموثَّق - ومصحَّحاً

الاتجاه المعتاد لتجارة الذهب الإفريقي غير المشروع موثَّق جيداً: موريتانيا دولة منتجة، ودبي إحدى أكبر بوابات استيعاب الذهب الإفريقي. قدّرت منظمة “ذا سنتري” الأمريكية أن نحو 95% من الذهب غير الرسمي الصادر عن عشرة بلدان في شرق ووسط إفريقيا يصل إلى دبي عبر ثغرات جمركية معروفة - وهي نسبة تخص تلك المجموعة من الدول تحديداً، لا القارة كلها ولا موريتانيا بعينها، وتعميمها على نطاق أوسع غير دقيق . كما قدّرت منظمة “سويس إيد” أن ما لا يقل عن 435 طناً من الذهب خرجت من إفريقيا دون تصريح في 2022 وحده، استقبلت الإمارات نحو 405 طن منها .

لكن الحركة العكسية - من دبي إلى غرب إفريقيا - لا تثبت وحدها غسل الأموال. للذهب وظائف متعددة في الاقتصاد غير المشروع: تخزين قيمة كبيرة في حجم صغير، تسوية معاملات خارج النظام المصرفي، نقل ثروة عبر الحدود، إخفاء عائدات جرائم سابقة، أو إدخال معدن ذي مصدر موثَّق إلى سوق أخرى بوثائق أو أوصاف مضلِّلة. وتوضح منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية أن غسل الأموال عبر سلسلة المعادن يقع تحديداً حين يُشترى الذهب بعائدات إجرامية ثم يُعاد إدخاله في السوق بوصفه مالاً مشروعاً .

فرضية “شراء ذهب نظيف في دبي ثم تقديمه ذهباً موريتانياً” ممكنة إجرامياً، لكنها ليست التفسير الوحيد، ولا توجد حتى الآن وثيقة منشورة تثبت وقوعها في هذه القضية تحديداً. لإثباتها يلزم العثور على حلقة دمج داخل موريتانيا: مشترٍ أو شركة أو مصفاة أو سجل إنتاج وهمي أو شهادة منشأ مزوَّرة أو تصريح تصدير لاحق. مجرد اتجاه الرحلة وحجم الحمولة لا يكفيان وحدهما لإثبات دورة غسل أموال مكتملة.

أما الدائرة الأوسع فتزيد الملف خطورة: وثّقت مجموعة الأزمات الدولية طفرة تعدين أهلي عقب اكتشاف حزام ذهبي يمتد عبر الصحراء من السودان إلى موريتانيا، وبيّنت أن جماعات مسلحة في مالي وبوركينا فاسو والنيجر استفادت من مواقع الذهب بالسيطرة أو الجباية أو التجنيد - مع بقاء الذهب، في بعض الحالات، مصدراً ثانوياً لا وحيداً لتمويل الجماعات الجهادية - وأن دبي إحدى الوجهات النهائية الرئيسية لشبكات التصدير غير الرسمية . ورصد المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية (IFRI) توسُّع أبوظبي في علاقاتها الأمنية مع جيوش المنطقة، ومنها في السودان وموريتانيا، محذّراً من أن “تصدير تنافسات الخليج” والنشاط العسكري الإماراتي خلّفا آثاراً مزعزِعة للاستقرار في الصومال وليبيا والسودان . لكن هذه خلاصة جيوسياسية عامة، ولا تُنشئ بذاتها رابطة سببية بين الدولة الإماراتية والشحنة المضبوطة في الدار البيضاء. كما توجد تحقيقات صحفية موثوقة، من بينها لصحيفة “فايننشال تايمز”، تناولت مركزية الإمارات في تجارة الذهب الإفريقي ودور الذهب السوداني في تمويل الحرب هناك ؛ وهي تثبت نمطاً إقليمياً موثقاً، لا صلة رسمية بهذه الشحنة تحديداً.

موريتانيا تقع عند تقاطع حساس بين الساحل والصحراء والمغرب العربي ومسارات الأطلسي، ولذلك فإن أي شحنة بهذا الحجم، إن افتقرت إلى فاتورة شراء موثوقة وشهادة منشأ وتصريح جمركي ومستفيد نهائي واضح، تستوجب فحصاً يتجاوز جنحة جمركية محتملة إلى الاشتباه في جريمة منظمة عابرة للحدود. غير أن الانتقال من هذا السياق العام إلى القول إن الذهب كان معدّاً لتمويل حملة انتخابية أو شراء ولاءات أو زعزعة استقرار متعمَّدة يحتاج إلى أدلة خاصة بهذه القضية بعينها، لا إلى تشابهات جغرافية أو سياسية فحسب.

خيط القرابة مع قضية 22 يوليوز: نقدٌ يغادر، ذهبٌ يعود

قبل شهر من واقعة الذهب، وفي المطار نفسه، أوقفت الجمارك المغربية في 22 يوليوز 2026 مواطناً موريتانياً كان في طريقه من نواكشوط (مطار أم التونسي) إلى دبي عبر الدار البيضاء، وبحوزته أكثر من مليوني يورو نقداً، موزَّعة بعناية داخل علب بسكويت أصلية لتفادي الشبهة . أُوقف في حالة تلبُّس وأُحيل على الشرطة القضائية تحت إشراف النيابة العامة، ورجّح المحققون أنه كان يعمل “ساعي بريد” لشبكة منظمة لتهريب رؤوس الأموال إلى الخارج.

والمعطى الجوهري الذي كشفه “لوسيان” بخصوص قضية الذهب هو التالي، بنصه: “التحققات الأولية كشفت وجود صلة قرابة بين الشخص الموقوف حينها [صاحب المليوني يورو] ورب الأسرة الموقوف في قضية الذهب الجديدة” .

لا نتحدث، إن صحّ هذا الرابط، عن رحلتين منفصلتين على نفس المسار، بل عن اتجاهين متعاكسين: نقد يغادر نواكشوط باتجاه دبي في يوليوز، وذهب خام يعود من دبي (أو عبر ملقة) إلى نواكشوط في غشت - على يد شخصين يُحتمل أنهما من العائلة نفسها. هذا النمط - تصدير سيولة نقدية ثم استيرادها ذهباً بمظهر شرعي - هو بالضبط الآلية التي تصفها تقارير هيئة العمل المالي (FATF) ومنظمة “ذا سنتري” تحت مسمى “المقايضة” أو “التعويض” (compensation / round-tripping) في غسل الأموال العابر للحدود عبر الذهب . وهي آلية موثَّقة كنمط عام معروف، لا كخلاصة مؤكدة لهذه الواقعة بعينها.

حدود ما هو مؤكد فعلياً: الرابط العائلي ورد في مصدر صحفي واحد فقط، ووُصف بأنه نتيجة “تحققات أولية” لا تأكيد قضائي نهائي؛ لم يُحدَّد نوع صلة القرابة في أي تقرير متاح؛ ولا وجود، حتى تاريخ إعداد هذا الملف (نهاية شتنبر 2026)، لأي متابعة صحفية تفيد بتوجيه اتهامات رسمية أو صدور حكم في أي من الملفين. لكن إن صحّ الرابط، فهو يرفع احتمال أن نكون أمام شبكة واحدة تدير تدفقاً ذهاباً وإياباً بين نواكشوط ودبي، لا حادثتين منعزلتين - وهذا يستحق أن يُطرح كفرضية عمل قوية في التحقيق، لا أن يُقدَّم كخلاصة يمكن الجزم بها الآن.

الأسئلة التي تحسم الملف

يُفترض أن يتركّز التحقيق القضائي والمالي، بتنسيق محتمل بين المغرب وموريتانيا والإمارات وإسبانيا، على أسئلة قابلة للإثبات:

•             من اشترى الذهب فعلياً، ومن دفع ثمنه، وبأي وسيلة؟

•             ما الرحلات الفعلية لكل فرد (دبي، ملقة، الدار البيضاء)، وهل سُلِّم الذهب داخل منطقة الترانزيت؟

•             ما أرقام السبائك ودمغاتها ودرجة نقائها، وما المصفاة التي أنتجتها؟

•             هل توجد فواتير أصلية وشهادات منشأ وتصاريح تصدير إماراتية أو إسبانية ومستندات عبور مغربية؟

•             من المستفيد الحقيقي في نواكشوط، وما صفته التجارية أو السياسية؟

•             ما دلالة البطاقات المصرفية الأربع، وهل ارتبطت بمشتريات الذهب أو برحلات سابقة؟

•             ما طبيعة صلة القرابة بين الموقوف في قضية اليورو (22 يوليوز) ورب الأسرة الموقوف في قضية الذهب (20 غشت)، وهل يوجد تدفق منظَّم ذهاباً وإياباً بين نواكشوط ودبي؟

•             على أي أساس مُنحت الجوازات الدبلوماسية، ولماذا بقيت بحوزة شخص انتهت الصفة التي بررت منحها؟

•             هل أُخطر البنك المركزي ووحدة التحريات المالية وسلطات مكافحة غسل الأموال في موريتانيا؟

ما ينبغي أن يُنشر

تقتضي المصلحة العامة بياناً رسمياً موريتانياً يوضح الصفة العامة لحاملي الجوازات، والأساس القانوني لاستمرار حيازتها، والإجراءات التي اتخذتها السلطات لتتبُّع مصدر الذهب ووجهته - من دون المساس بسرية التحقيق أو قرينة البراءة. وعلى السلطات المغربية، متى سمحت المسطرة، نشر الوصف القانوني للمتابعة ونتيجة تحليل السبائك ومآل الحجز، لأن الفارق بين تقديري 74.79 مليون و135 مليون درهم كبير بما يكفي ليستوجب تفسيراً رسمياً. كما ينبغي طلب مساعدة قضائية متبادلة لتتبُّع الفاتورة والمدفوعات وبيانات المسافرين والاتصالات والمستفيد الحقيقي في الملفين معاً - ملف اليورو وملف الذهب - بوصفهما، وفق الفرضية الراجحة حتى إثبات العكس، وجهين لعملية واحدة.

الخلاصة

القضية خطيرة بالفعل، لكن قوتها الاستقصائية لا تأتي من القفز إلى نتيجة سياسية جاهزة، بل من تفكيك سلسلة الحيازة: نواكشوط، ودبي، وملقة، ومنطقة الترانزيت في الدار البيضاء، ثم الوجهة المفترضة في نواكشوط من جديد. الثابت هو كمية استثنائية من الذهب أُخفيت على أجساد أسرة استُخدم فيها قاصرون، واحتُجّ فيها بجوازات دبلوماسية قبل التفتيش، وربما ترتبط - عبر خيط قرابة لم يُؤكَّد قضائياً بعد - بمليوني يورو غادرت البلاد قبل شهر واحد في الاتجاه المعاكس. أما مصدر الذهب، ومالكه الحقيقي، ووجهته النهائية، والغرض من العملية، فأسئلة لا تزال مفتوحة أمام القضاء.

أخطر ما في الملف ليس فقط احتمال تهريب 54 كيلوغراماً من الذهب، بل احتمال وجود بنية واحدة تجمع بين الوثيقة الدبلوماسية، والأسرة كغطاء، ومسارات جوية متعددة، ومنطقة عبور دولية، وسيولة معدنية ونقدية ضخمة تتحرك في الاتجاهين. ولهذا يجب نشر نتائج التحقيق عند اكتماله، ومساءلة الجهة التي منحت الامتيازات الدبلوماسية أو أبقتها سارية، وتتبُّع كل مستفيد فعلي - لا لإدانة أشخاص قبل المحاكمة، بل لمنع تحوُّل الذهب إلى عملة صامتة للنفوذ والفساد والجريمة المنظمة العابرة للحدود.

طالع المقال »

الخميس، أوت 20، 2026

نهاية الولاية الرئاسية: ما قد يفرضه القانون على وزير للمالية بقي في منصبه طوال فترة رئاسية. بقلم الأستاذ مصطفي أحمد علي

 

يُقدم هذا المقال تحليلاً قانونياً استشرافياً يستند إلى المرسوم رقم 349-2019/PM المُحدِّد لصلاحيات وزير المالية الموريتاني؛ حيث يخلص التحليل إلى أن أياً من أنظمة المسؤولية (سواء كانت جنائية أو مدنية أو مالية أو سياسية) لا تتيح -بحكم طبيعتها- إعفاءً تلقائياً وشاملاً لوزير المالية الذي ظل في منصبه طوال فترة الولاية الرئاسية، وذلك في حال ثبوت ارتكاب مخالفات أو جرائم (جنائية أو مدنية أو مالية) على مستوى قمة هرم الدولة عند انقضاء تلك الولاية.

لكل ولاية رئاسية نهاية. ولكل نهاية عهدة، في دولة القانون، تُفتح الفترة التي يمكن خلالها طلب الحساب - لا انتقاما، بل لأن وظيفة القانون بالذات هي أن ينظّم، سلفا ولفائدة الجميع، النتائج المترتبة على التسيير العمومي بعد انتهاء العهدة. والسؤال الذي يُطرح فيما يلي لا يحتاج، لكي يُصاغ بكل الدقة المطلوبة، إلى أي واقعة محددة ولا إلى أي شخص بعينه: فلو ثبتت، عند نهاية ولاية رئاسية، وقائع فساد أو اختلاس لأموال عامة أو إثراء غير مشروع في أعلى هرم الدولة، فماذا يقول القانون عن وزير المالية الذي بقي في منصبه طوال تلك العهدة؟ إن طرح هذا السؤال قبل وقوع مثل هذه الواقعة - لا بعدها - يشكّل ممارسة قانونية مشروعة بذاتها: ذلك أن القانون الجنائي والإداري لا تكون له قوة ردع حقيقية إلا إذا كانت نتائجه معروفة قبل الفعل، لا مكتشَفة بعده على إثر فضيحة. ولا يستهدف هذا التحليل، ولا يسمي، ولا يتّهم أي شخص بعينه، سواء كان في منصبه حاليا أم لا - فالقانون الموريتاني، شأنه شأن كل نظام قائم على قرينة البراءة، يمنع ذلك منعا صريحا، وسأعود إلى هذه النقطة بالتفصيل لاحقا. بل يبني هذا التحليل إطارا عاما واستشرافيا، ينطبق على أي شخص يجد نفسه، عند نهاية أي ولاية رئاسية مقبلة، في الوضعية الموصوفة، انطلاقا من نص واحد: المرسوم الذي يحدد، مادة مادة، ما يُفترض قانونا أن يعرفه وزير المالية ويراقبه ويبلّغ عنه بحكم منصبه وحده - طوال العهدة، حتى نهايتها.

ثلاث جرائم، وثلاثة أساليب إثبات مختلفة

قبل كل شيء، لا بد من التمييز بين ثلاثة أوصاف جنائية كثيرا ما تختلط في اللغة العادية، بينما يفصل القانون بدقة بين أركانها المكوّنة - أي ما يجب إثباته لكي تُعتمد. فالفساد، إيجابيا كان (الرشو) أم سلبيا (الارتشاء)، يفترض اتفاقا بين عون عمومي وطرف ثالث مقابل منفعة؛ وتوريط وزير في ذلك يفترض إثبات مشاركته في هذا الاتفاق أو علمه به. أما اختلاس الأموال أو الممتلكات العامة فيفترض قيام شخص مؤتمن على السلطة العامة بانتزاع أموال أو ممتلكات يحوزها بحكم منصبه؛ ويمكن أن يُنسب إلى وزير المالية في هذا الشأن وصف الفاعل المشارك أو الشريك أو المُخفي - أي ذلك الذي يتولى، وهو عالم بالمصدر الاحتيالي لمال ما، حيازته أو تسييره أو تحويله - إذا كانت الأموال قد مرّت عبر قنوات خاضعة لسلطته. أما الإثراء غير المشروع، فيفترض ازديادا في الذمة المالية لا يجد تبريرا في الموارد المشروعة؛ وتفترض مسؤولية الغير إثبات أنه سمح بهذا الإثراء أو يسّره أو غطّاه بفعل أو امتناع يدخل في نطاق مهامه. غير أن هذه الجرائم الثلاث تشترك في نقطة حاسمة لما سيأتي: مسألة معرفة ما إذا كانت مثل هذه الوقائع يمكن أن تقع طوال مدة ولاية رئاسية - وقد تصل إلى عشر سنوات إذا اعتُمدت العهدتان اللتان يجيزهما أقصى ما يسمح به الدستور الموريتاني، كل منهما خمس سنوات - داخل جهاز مؤسسي يتيح القانون بالذات وصفه، دون أن يكون وزير المالية الذي كان في منصبه خلال هذه الفترة قد علم بذلك، أو كان يتوجّب عليه أن يعلم به.

وظيفة تتعارض بنيويا مع الجهل التام

إن المرسوم رقم 349-2019/PM لا يسرد أي واقعة؛ بل يحدد وظيفة. وهذا بالذات ما يجعل منه أداة إثبات صارمة، قابلة للاستعمال في كل الفرضيات ومستقلة عن أي وثيقة من وثائق التحقيق: فهو يقرر ما يُفترض قانونا أن يعرفه وزير المالية ويراقبه بحكم منصبه وحده، أيا كانت لحظة عهدته، وأيا كانت هوية شاغل هذا المنصب.

فمادته الثانية تسند إلى الوزير مهمة «تصوّر وتنسيق ومتابعة تنفيذ السياسة المالية والميزانياتية للحكومة» - وهي وظيفة تصوّر لا تنفيذ سلبي، الأمر الذي يستبعد سلفا دفاع من ينفّذ تعليمات دون أن يفهمها. وتنص مادته الثالثة على أن الوزير «يوقّع مجاورة على المراسيم الداخلة في اختصاصاته»: والتوقيع المجاور، في القانون الإداري، ليس إجراء بروتوكوليا، بل عملا من أعمال الانضمام يرتب مسؤولية خاصة بصاحبه، متميزة عن مسؤولية رئيس الدولة - بحيث إن كل مرسوم غير قانوني ذي أثر مالي، ما دام داخلا في مجال اختصاصه، سيحمل من حيث المبدأ توقيعه، وهو ما يستبعد، ما لم يثبت العكس، أن يكون قد اعتُمد دون علمه.

وتضع المادتان 9 و18 التفتيش الداخلي والمفتشية العامة للمالية تحت السلطة المباشرة للوزير، إذ تنص المادة 18 على أن المفتشية العامة للمالية «تمارس ميدانيا ومن خلال الوثائق سلطات المراقبة المخوّلة لوزير المالية نفسه» - وبذلك فإن أي إخلال في المراقبة لن يكون أبدا إخلالا يخص الجهاز التقني وحده: بل سيكون بنيويا إخلالا يخص الوزير الذي يستمد هذا الجهاز سلطاته منه. والأهم من ذلك، تفرض المادة 9 التزاما إيجابيا غير قابل للتفويض: «يجب أن يُطلع الوزير الأجهزة المختصة بالمراقبة في الدولة على المخالفات المسجَّلة في مجال التسيير المالي». وهذه العبارة تجعل من الوزير، وحده دون سواه، حلقة العبور الإلزامية بين اكتشاف مصالحه الخاصة لمخالفة ما وإحالتها على محكمة الحسابات أو النيابة العامة أو الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد - في أي لحظة من العهدة، من يومها الأول إلى يومها الأخير.

وأخيرا، تضع المادتان 4 و41 تحت سلطة الوزير أملاك الدولة والمسح العقاري، والضرائب والجمارك، وتسيير الميزانية والوصاية على الخزينة العامة. ويستند هذا التمركز المؤسسي إلى مبدأ عريق في القانون الإداري الفرنكفوني، هو مبدأ الفصل بين الآمرين بالصرف والمحاسبين العموميين - وهو مذهب موروث عن المحاسبة العمومية النابليونية، ولا يزال يشكل أساس الأنظمة المالية العمومية في موريتانيا والسنغال وفرنسا والمغرب، ويميّز بين الآمر بالصرف، وهو من يقرر النفقة ويأذن بها، والمحاسب، وهو من يؤديها ويمركزها. ويجعل المرسوم من وزير المالية الآمر الرئيسي بالصرف أو سلطة الوصاية على جل هذه القنوات. وهذا التمركز لا يثبت في حد ذاته المشاركة في أي فعل محدد، لكنه يقرر أن أي عملية اختلاس واسعة النطاق، متكررة طوال مدة عهدة، لا يمكن إحصائيا أن تسلك إلا قنوات خاضعة لهذه السلطة نفسها.

المنطق القائم على المعضلة (الاستدلال الثنائي)

وهذه النقطة الأخيرة هي التي تتيح بناء استدلال لا تتوقف صرامته، عند الحاجة، على أي وثيقة إجرائية خارجة عن المرسوم نفسه - وهو معضلة منطقية، أي استدلال يرتب فرعاه، بالتناوب، شكلا من أشكال المسؤولية، دون أن يتوفر أي مخرج ثالث.

الفرع الأول: أن يكون الوزير قد علم، أو لم يكن بمقدوره، في حدود المعقول، أن يجهل المخالفات، بالنظر إلى موقعه التسلسلي على رأس جميع أجهزة المراقبة. وفي هذه الحالة، يشكّل صمته أو تقاعسه، بحسب درجة المشاركة الثابتة، اشتراكا في الجريمة، أو إخفاء، أو على الأقل امتناعا عن التبليغ. الفرع الثاني: أن يكون الوزير قد جهل فعلا هذه المخالفات، رغم صلاحيات المراقبة والالتزام بالتبليغ اللذين يخوّلهما له المرسوم. وفي هذه الحالة، لا يمكن تفسير هذا الجهل الممتد إلا بإخلال جسيم ومستمر في ممارسة صلاحياته الرقابية الخاصة - أي خطأ في التسيير، من شأنه أن يرتب مسؤوليته المدنية ومسؤوليته أمام محكمة الحسابات، إن لم تثبت مسؤوليته الجنائية المباشرة.

ولا تتيح هذه المعضلة وحدها أن يُحدَّد سلفا أي الفرعين سينطبق على وضعية بعينها - فذلك أمر لا يمكن أن يبتّ فيه إلا تحقيق قضائي، عند الحاجة، بوثائقه وشهاداته. وكل ما تتيحه هو التأكيد، منذ اليوم وللمستقبل، أن أيا من الفرعين لن يفضي إلى إعفاء تام وتلقائي من المسؤولية. ويعرف القانون الجنائي المقارن صورة قريبة من هذا الفرع الثاني: وهي ما يُعرف بمذهب «التعامي الإرادي» (willful blindness)، الذي كرّسته المحاكم الأمريكية منذ قرار قضية الولايات المتحدة ضد جويل (United States v. Jewell) لسنة 1976، ونظيره في الأنظمة القانونية اللاتينية، وهو «القصد الاحتمالي» - أي وضعية فاعل يمتنع عمدا، دون أن يسعى فعليا للتحقق من حقيقة يستشعرها، عن معرفتها لكي يحتفظ لنفسه بإمكانية الإنكار المعقول. ولا يعامل القانون هذا الامتناع بوصفه جهلا بريئا: بل يعامله، وفق شروط محددة بدقة، بوصفه معادلا وظيفيا للعلم ذاته.

أربعة أنظمة للمسؤولية، وأربعة مستويات للإثبات

على هذا الأساس، قد يفتح القانون الموريتاني أربعة مسارات مستقلة محتملة، لكل منها مستوى خاص من متطلبات الإثبات - وهي نقطة تحظر الدقة فيها أي خلط، اليوم كما يوم يُطرح السؤال فعليا.

ففي المجال الجنائي، يمكن تصوّر عدة أوصاف: المساهمة الأصلية أو الاشتراك في الاختلاس، وهو ما يفترض إثبات فعل إيجابي - الأمر بالصرف، أو التوقيع المجاور، أو الترخيص - يكون قد سمح بالعملية موضوع النزاع مع العلم بطابعها غير القانوني؛ والإخفاء، الذي سبق تعريفه أعلاه؛ وعدم التبليغ، الذي يفترض إثباتا موثقا بأن مخالفة ما قد بُلّغت إلى علم الوزير دون أن تُحال إلى الأجهزة المختصة؛ وغسل الأموال، الذي يفترض أعمال تسيير سمحت بإخفاء أموال ذات مصدر غير مشروع أو إعادة إدماجها في الدوائر الميزانياتية. أما في المجال المدني، فقد تُثار مسؤولية الوزير عن خطأ في التسيير - أي إخلال، حتى لو كان غير متعمد، بواجب اليقظة - من شأنه أن يؤسس دعوى رجوع للدولة، أي دعوى تلجأ من خلالها الدولة، بعد أن تكون قد عوّضت عن ضرر ما، إلى الرجوع على المسؤول لتحميله عبء ذلك التعويض. وفي المجال المالي، تتمتع محكمة الحسابات، المحدَثة بموجب المادة 68 من دستور 20 يوليو 1991، بسلطة قضائية لزجر أخطاء التسيير التي يرتكبها الآمرون بالصرف، وهي سلطة مستقلة عن أي متابعة جنائية، ويمكن أن تُعرض عليها القضية استنادا إلى قوانين التصفية المالية التي تغطي مجموع العهدة. أما في المجال السياسي، فإن التضامن الحكومي يعرّض كل وزير للأعمال المتخذة بصفة جماعية، في حين أن المحكمة العليا للعدل، التي أُعيد تنظيمها سنة 2017، لا تبقى مختصة إلا في الوقائع القابلة لوصف الخيانة العظمى - وهو معيار تقييدي لا يشمل بالضرورة جريمة فساد عادية، إذ تؤول هذه الأخيرة عندئذ إلى القضاء الجنائي العادي أو إلى الأقطاب المتخصصة في المجال الاقتصادي والمالي، لا إلى المحكمة العليا للعدل وحدها.

ما لا يثبته هذا الاستدلال - ولماذا تشكّل هذه الحدود مصدر قوته

لا تكمن صرامة هذا البرهان فيما يثبته فحسب، بل كذلك، وبالقدر نفسه من الدقة، فيما يُقرّ بأنه لا يثبته. فالوظيفة تولّد احتمالا للعلم، وما يسميه قانون الإثبات الجنائي حزمة من القرائن - أي مجموعة من الملابسات المتقاربة التي يمكن أن تُكوّن معا، دون أن تكفي أي منها بمفردها، قناعة القاضي. ولن تشكل هذه الحزمة أبدا، وحدها، دليلا. ذلك أن القانون الجنائي يشترط ركنا معنويا - العلم أو القصد - وركنا ماديا - فعلا أو امتناعا محددين - يخصان الشخص الملاحق بعينه، لا قرينة إدانة ملازمة لمنصب ما. كما أن الطابع الجماعي للقرار العمومي لا يرتب هو الآخر مسؤولية فردية تلقائية: فقد يكون التوقيع المجاور قد وُضع استنادا إلى معلومات ناقصة أو أخفاها عمدا فاعلون آخرون، وهي فرضية لا يمكن استبعادها أو تأكيدها إلا بتحقيق قضائي. أما طول مدة تولي المنصب، فإن كان من شأنه أن يُضعف فرضية الجهل التام، فإنه لا يُعفي من إثبات، بالنسبة لكل واقعة محددة يُعتد بها، أن الوزير الذي كان في منصبه في ذلك التاريخ كان يعلم بها أو كان يتوجب عليه، في حدود المعقول، أن يعلم بها.

وثمة في حقل آخر تماما من حقول القانون - هو القانون الدولي الجنائي - صورة تُنير، عن طريق القياس والمقابلة، بنية هذا الاستدلال: وهي مذهب مسؤولية الرئيس التسلسلي (مسؤولية القيادة)، الذي كرّسته لأول مرة المحكمة العليا الأمريكية في قضية الجنرال الياباني ياماشيتا سنة 1946، والمقنَّن اليوم في المادة 28 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، والذي يُقرّ مسؤولية القائد العسكري عن الجرائم التي يرتكبها مرؤوسوه متى «كان يعلم، أو كان ينبغي له أن يعلم» ولم يتخذ التدابير اللازمة لمنعها أو قمعها. وهذا المذهب لا ينطبق كما هو على وزير المالية - فهو خاص بقانون النزاعات المسلحة وبتسلسل قيادي من طبيعة أخرى - لكنه يجسّد مبدأ أعم، يوجد أيضا في أساس نظرية السلطة العقلانية-القانونية التي طوّرها عالم الاجتماع ماكس فيبر في مطلع القرن العشرين: ففي الإدارة الحديثة، تلتصق المسؤولية بالوظيفة وبالصلاحيات التي تخوّلها، لا بالإرادة الشخصية لشاغلها وحدها. وهذا هو المنطق ذاته، بعد نقله إلى القانون المالي العمومي، الذي تجسده المعضلة المعروضة أعلاه.

 

إن المرسوم رقم 349-2019/PM، بتحديده اختصاصات وزير المالية الموريتاني، يرسم وظيفة تصوّر وتوقيع مجاور ووصاية ومراقبة، من شأنها أن تجعل من غير المحتمل بنيويا أن يكون شاغل هذا المنصب، عند نهاية ولاية رئاسية قد تصل إلى عشر سنوات، قد جهل بصفة مشروعة وقائع فساد أو اختلاس أو إثراء غير مشروع تثبت في أعلى هرم الدولة التي خدم تحت سلطتها. وسيغلق الاستدلال القائم على المعضلة - إما العلم والصمت، وإما الجهل والإخلال بالمراقبة - أمام أي وزير يوجد في هذه الوضعية عند نهاية عهدته، باب الإعفاء التام والتلقائي من المسؤولية، وسيفتح، بحسب الوقائع التي قد يثبتها تحقيق ما، مجمل أنظمة المسؤولية المستعرَضة هنا: الجنائية والمدنية والمالية والسياسية.

وليس تأسيس هذا الإطار سلفا، قبل معرفة أي واقعة، مجرد تمرين لا طائل منه: فهذا بالضبط ما يحدده التحليل الاقتصادي للقانون، منذ الأعمال التأسيسية للاقتصادي غاري بيكر حول الردع الجنائي، بوصفه الشرط ذاته لتحقيق الأثر الرادع لقاعدة قانونية - ذلك أن النتيجة القانونية لا تغيّر سلوك من تستهدفهم إلا إذا كانت معروفة ومتوقَّعة قبل الفعل، لا مكتشَفة بعده. وإطار مسؤولية معلَن بوضوح، سلفا ولفائدة الجميع، أجدى، من زاوية الحوكمة العمومية، من صمت لا يُكسر إلا بعد وقوع فضيحة.

غير أن هذه الخلاصة البنيوية لا تُعفي في أي لحظة سلطة المتابعة - النيابة العامة، ومحكمة الحسابات، والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، التي يندرج عملها ضمن الإطار الأوسع الذي حددته اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، وموريتانيا من بين الدول الخاضعة للاستعراض بموجبها - من الالتزام بأن تُثبت، بالنسبة لكل شخص مسمى بعينه، الأفعال المحددة والعلم الفعلي أو الإهمال الموصوف التي من شأنها أن تحوّل هذا الاحتمال المؤسسي إلى مسؤولية قائمة على أساس قانوني. وبهذا الشرط وحده يبقى هذا البرهان، الصارم في بنيته، متوافقا أيضا مع مقتضيات المحاكمة العادلة وقرينة البراءة، التي كرّستها المادة 13 من الدستور الموريتاني الصادر في 20 يوليو 1991. فالقانون يُغلق باب الإعفاء التلقائي؛ لكنه لا يفتح، وحده، أي باب لإدانة شخص بعينه. وبين الأمرين، لا يوجد سوى عمل التحقيق، الصبور والمنهجي - يوم يصبح ضروريا، إن جاء ذلك اليوم.

كل ولاية تشريعية نهاية، وعلى كل مسؤول أن يحمي شخصه ونزاهته، لا من خلال الطبيعة الزائلة للعمل السياسي، بل عبر ثبات القانون وديمومته.

الأستاذ مصطفي أحمد علي

 

ملاحظة: إن هذا التحليل إطارا عاما واستشرافيا، ينطبق على أي وزير للمالية يجد نفسه، عند نهاية أي ولاية رئاسية مقبلة، في الوضعية الموصوفة - لا على شخص مسمى بعينه، سواء كان في منصبه حاليا أم لا. ويستند حصرا إلى المرسوم رقم 349-2019/PM المحدد لاختصاصات وزير المالية الموريتاني وإلى القانون الجنائي والمدني والمالي والدستوري الموريتاني الساري المفعول، دون الإحالة إلى أي قضية سبق الفصل فيها. ولا يشكل هذا التحليل قرار اتهام، ولا خبرة قضائية، ولا موقفا رسميا، ولا يجوز أن يُقرأ على أنه يستهدف شخصا بعينه.

طالع المقال »

الجمعة، أفريل 10، 2026

رسالة مفتوحة إلى مواطنيّ الموريتانيين في تونس - لأستاذ أعلي مصطفى


أيها المواطنون الأعزاء،

أكتب إليكم بشعور عميق من المسؤولية، حاملاً في قلبي كل مودة صادقة وإخلاص حقيقي. فمنذ سنوات السبعينيات ونجن نرافق دون انقطاع الأجيال المتعاقبة من الموريتانيين الذين اختاروا تونس أرضاً للدراسة والعمل وتحقيق الذات، وسنظل أوفياء لهذا العهد بالتزام وإخلاص لا يتزعزعان.

تجمع تونس بموريتانيا روابط من عمق نادر. فمنذ استقلال بلادنا، كانت تونس، بثبات مثالي، منارةً للأخوة العرب والأفريقة، مانحةً مواطنينا ظروف استقبال وإقامة لا مثيل لها. وهذه الضيافة الكريمة ليست محض مصادفة، بل هي ثمرة علاقة ثنائية متينة شُيِّدت على أسس الاحترام المتبادل والتضامن المغاربي والمصير المشترك لشعبينا. وإن صون هذه العلاقة والحرص عليها لهو من صميم شرفنا الجماعي.

ومن هذا المنطلق الأخوي الرشيد، وبكل الصراحة التي تفرضها مسؤوليتي بوصفي رجل قانون وعميداً، لا بد لي من أن أتناول واقعةً ملحوظة: إذ وجد بعض مواطنينا أنفسهم مؤخراً في أوضاع تنطوي على مخالفات قانونية، أو تعرضوا لإنذارات رسمية في ضوء التشريع التونسي النافذ. وأؤكد بكل حزم أن هذه الحالات تبقى استثنائية ومعزولة، ولا يمكن بأي حال أن تمسّ صورة جاليتنا التي يعيش أبناؤها في غالبيتهم الساحقة بكرامة واجتهاد واحترام تام للقوانين. هؤلاء لا يمثلوننا، ولا يمثلون موريتانيا.

وبوصفي رجلاً قانونياً، يقع على عاتقي تذكيركم بالأحكام القانونية الجوهرية التي تنظم إقامتكم على الأراضي التونسية، حتى لا يتخذ أحد من الجهل حجةً له.

يُمثّل القانون عدد 68-7 المؤرخ في 8 مارس 1968 المتعلق بأوضاع الأجانب في تونس النص القانوني المرجعي الأساسي في هذا الباب. وأحكامه الجزائية صريحة لا تحتمل التأويل. فالفصل 23 ينص على أن كل أجنبي يدخل الأراضي التونسية أو يغادرها دون استيفاء الشروط القانونية المقررة، أو يُهمل التقدم بطلب تأشيرة الإقامة أو بطاقة الإقامة في الأجل القانوني، يُعرّض نفسه لعقوبة السجن من شهر إلى سنة وغرامة مالية. وأشد من ذلك ما نصّ عليه الفصل 24 من السجن من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات بحق كل أجنبي يقدم وثائق مزورة أو يدلي بمعلومات كاذبة إخفاءً لهويته أو مهنته أو جنسيته.

ومما ينبغي معرفته أن كل أجنبي يقيم في تونس ما لا يقل عن ثلاثة أشهر متواصلة أو ستة أشهر متفرقة خلال سنة واحدة يُعدّ مقيماً ويصبح ملزماً بالحصول على بطاقة إقامة. وكل تجاوز غير مُسوَّى يُعرّض صاحبه للترحيل والسجن، فضلاً عن غرامات تأخير بواقع 20 ديناراً أسبوعياً في حدود سقف قدره 3000 دينار المعمول به منذ سنة 2017. يُضاف إلى ذلك أن الفصل 8 من القانون ذاته يحظر صراحةً على كل أجنبي مزاولة أي نشاط مأجور في تونس دون الحصول على إذن مسبق من السلطة المختصة.

وثمة حكم يجهله كثيرون يستوجب الانتباه الشديد: إذ يُلزم الفصل 21 كل شخص - سواء أكان صديقاً أم قريباً - يُسكن أجنبياً في مسكنه بإخطار مركز الشرطة أو الحرس الوطني المختص في غضون 48 ساعة، وإلا تعرض لعقوبات جزائية. فضلاً عن ذلك، تشير المعطيات الراهنة إلى أن مشاريع تعديل تشريعية قيد الدراسة أمام مجلس نواب الشعب تتجه نحو تشديد هذه العقوبات، بحيث ترتفع أحكام السجن في حالات الدخول أو الخروج غير النظامي إلى ما بين سنة وثلاث سنوات، وتصل الغرامات المالية إلى 5000 دينار.

وإزاء هذه الحقائق القانونية، وانطلاقاً من القاعدة الفقهية الراسخة "لا يُعذَر أحد بجهل القانون"  أضع مجاناً إستشارتي القانونية في خدمة جميع الموريتانيين المقيمين في تونس. فلكل من تعتريه تساؤلات تتعلق بإقامته أو وضعه الإداري أو نشاطه المهني، أو أي إشكالية قانونية تُقلقه، أدعوه إلى مراسلتي مباشرة، متعهداً بتزويده بالمعلومة القانونية الضرورية أو توجيهه نحو المؤسسة العمومية أو الخاصة الأجدر بمساعدته.

 lawistrust@gmail.com

هذه المبادرة امتداد طبيعي لمسيرة مديدة في مرافقة مواطنينا على هذه الأرض التونسية الكريمة. وغايتها تعزيز حضورنا في تونس في إطار من الأخوة الصادقة والمشروعية والأدب الرفيع والاحترام العميق للبلد الذي يحتضننا.
 
معاً، لنواصل تكريس الثقة المتبادلة التي تجمع بلدينا وترسيخها، وهي ثقة تمتد جذورها عبر عقود من الزمن.

وتفضلوا بقبول فائق التقدير والاحترام الأخوي،

الأستاذ  أعلي مصطفى
عميد الأساتذة الجامعيين الموريتانيين في تونس

 

طالع المقال »

الثلاثاء، مارس 31، 2026

المعارضة: حوار الازدراء وازدراء الحوار - بقلم: أ. علي مصطفى


أمر لا يُصدق! لا تزال المعارضة تطمح في الحوار... بل إن بعض أقطابها يعرضون على غزواني مواضيع للنقاش، ويرسمون له "خارطة طريق"! إن معارضة كهذه، تماماً كأرقامها في صناديق الاقتراع، تملك ذاكرة قصيرة المدى.

أما بالنسبة للمواطن الموريتاني البسيط الذي منح صوته لهذه المعارضة، فإن الأمر ليس سوى كابوس؛ إذ أدرك أخيراً (ربما بعد فوات الأوان!) أنه لم تكن هناك قط معارضة حقيقية. وحتى إن وُجد "نفسٌ" معارض ذات يوم، فقد باع قادته أرواحهم وأرواح أنصارهم في مزادات "الحوارات" و"التشاورات" التي امتصت طاقتها منذ الانقلابات العسكرية المتتالية، وأثارت الانقسامات في صفوفها، واختزلتها في مجرد حقيبة من المشاورات تلوح بها لأول ممسك بزمام السلطة، ولو رغماً عنها.

في الواقع، وبعيداً عن الحجج التي تتكرر مع كل مأمورية حول "السلم الاجتماعي" و"الوفاق" -وهي الشعارات التي تُسيل لعاب المعارضة لعقود- هناك حقيقة ديمقراطية ثابتة يبنى عليها توازن القوى وممارسة السلطة، وهي: "المعارضة التي تحاور ليست معارضة".

إن المعارضة التي تنخرط في "الحوار" هي معارضة تخون روح اللعبة الحزبية التي هي عماد الديمقراطية؛ فهي تدمر جوهر العمل السياسي المتمثل في كونه سلطة مضادة تهدف إلى التوجيه والتأثير، ثم الوصول إلى السلطة إن أمكن، من خلال تقديم بدائل جديدة ومسارات ممكنة، مستفيدة من تجارب وإخفاقات السلطة القائمة.

إن معارضة اليوم ليست سوى انعكاس باهت لما يجب أن تكون عليه المعارضة في دولة ديمقراطية.

المعارضة التي تحاور ليست معارضة.

سمّوها ما شئتم: مجاورة، أو موازاة، أو تبادلاً، أو انقلاباً في المواقف... لكن لا تسمّوها معارضة. فهذه المعارضة التي تهرول خلف الحوار مع السلطة هي أسوأ ما يمكن أن تُبتلى به موريتانيا. وإن الوقوف في وجه هذه "المعارضة" هو الواجب الأول لكل مواطن حريص على المستقبل السياسي لبلده.

ماذا يجب أن يكون سلوك معارضة جديرة بهذا الاسم؟

المعارضة الحقيقية هي التي تنظم صفوفها، وتحشد مواردها المادية والمالية، وتعد برنامجها السياسي وتنشره، وتلتقي بمناضليها، وتنسج التحالفات، وتستنفد طاقتها في حشد رأي عام موالٍ لها؛ بعبارة أخرى: تُعد بعدة نضالية لمشاركتها في الانتخابات القادمة.

أما المعارضة التي تكتفي بالتحديق في السلطة بانتظار إشارة من صاحبها، فليست سوى وعاء للبؤس الحزبي، تمد قصعتها لتتلقى فُتات حوار صار هو كل برنامجها.

إن واجب كل موريتاني هو ألا ينطوي تحت لواء هذه المعارضة، بل أن يفر منها فراره من الطاعون المؤسسي. فإذا كان الشعب قد دُست كرامته واستُلبَت سلطته، فذلك كان - ولا يزال - بسبب هذه المعارضة تحديداً.

تاريخياً، دعونا نتذكر...

ظلت المعارضة تقتات على أطلال "اتفاق داكار" الذي وُلد ميتاً، متوهمة أن لها ثقلاً في مؤسسات الدولة يخولها انتزاع تنازلات من "عزيز"، لكنها أخطأت ولا تزال تخطئ. إنها تطالب برد مكتوب، بل والتزام مكتوب من "عزيز" حول نقاط الخلاف وشروط الحوار... إنها "معارضة المضحكات".

لم يطلب "عزيز" رأي المعارضة حين استولى على السلطة بالقوة، ولم يطلب منها إذناً حين "شَرْعَنَ" نفسه عبر صناديق الاقتراع. "عزيز" كان يدرك تماماً أن المعارضة لا تُجدي نفعاً بالنسبة له.

ما خدم "عزيز" حقاً هو استمرار المعارضة في التلهف للحوار ككلب ينتظر عظمة. لقد كان الحوار بالنسبة له أداة "ميكافيلية"؛ يشهرها حين تدفعه سوء نيته لذلك، ويسحبها كلما صدقت المعارضة اللعبة.

هذه المعارضة تخدم أجندة السلطة، وهنا مكمن خطرها. فهي تتكون - ما عدى البعض المنزوين عن السلطة - من مجموعات من الأتباع الذين يشكلون "حلقة وصل" مع السلطة؛ وهم أنفسهم "المقابض" التي تستخدمها السلطة لاستدراج المعارضة وإغوائها.

تتألف هذه "المقابض" من قيادات أكلها الحقد لفقدان السلطة ولم تعد تعرف سبيلاً للعودة إليها، ومن أفراد يساومون بمواقفهم مقابل فتات المناصب، ويثيرون داخل المعارضة نوعاً من "هوس الحوار" الذي لا يخلو من هذيان المصالح المادية.

وفي المحصلة، تظل هذه المعارضة المهتمة بالحوار هي الضحية والمخدوعة في آن واحد.

دعونا نتذكر أن المعارضة هي المسؤول الأول عما آلت إليه أوضاع البلاد. فإذا كان ولد عبد العزيزمكث في السلطة ، فبسبب المعارضة. لذا، فليس "لمعارضة يوليوز" إلا ما حصدت يداها.

إن هذه المعارضة التي هرعت للتفاوض في داكار على تسليم رئيس منتخب، لا تنال اليوم إلا ما تستحقه. ففي موريتانيا، ليس للشعب الحكام الذين يستحقهم فحسب، بل له أيضاً المعارضة التي يستحقها. وبسبب هذه المعارضة، وانقساماتها الداخلية، وانتهازيتها، وسباقها المشتت نحو الرئاسة في الانتخابات الماضية، تُحكم البلاد بهذه الطريقة.

المعارضة التي تحاور لتكريس زورها، ليست معارضة.

ما الذي حدث لتصل المعارضة إلى ما هي عليه اليوم؟ ببساطة: لم تستخلص العبر من الماضي السياسي القريب للبلاد.

أولاً: المعارضة أو التدمير النفسي (دروس الماضي)

في عام 2005، لم تكن هناك استراتيجية أكثر بريقاً وخبثاً من تلك التي قوضت المعارضة وسلبتها فوزها في الانتخابات الرئاسية والتشريعية. لقد قرر القائمون على المرحلة الانتقالية تلغيم المعارضة وتحجيمها عبر استراتيجية "التشاور" التي أوقعت في "الفخ" أولئك الذين كان بإمكانهم قلب الموازين. قرر "ثعالب" المرحلة الانتقالية، المتمرسون في الحلول الوسط الزائفة، تحييد معارضة كانت تملك عشية 3 أغسطس 2005 قوة وشرعية يخشونها أكثر من أي شيء آخر.

كان يكفي ألا تعترف المعارضة بالانقلاب، وأن تتشبث بمكاسبها التاريخية، وتضرب بيد من حديد لتجبر من خططوا للانتقال لأهداف مبيتة على التراجع. لكن ذلك لم يحدث، لأن ثعالب المرحلة الانتقالية سارعوا لتحديد "كعب أخيل" المعارضة في شخص قادتها، ولا سيما أحمد ولد داداه.

تأكد لهم ذلك حين كان ولد داداه أول المعترفين بالانقلاب وبدوره في الديمقراطية، فأصبح بذلك "المحاور" الذي سيُستخدم كحصان طروادة لزعزعة استقرار المعارضة. كانت طيبة نية أحمد ولد داداه لا يضاهيها إلا سوء نية من سيستخدمونه رغماً عنه. ومن هنا بدأ العمل على "التآكل النفسي" كقلعة محاصرة.

خلال الأشهر الأولى، كانوا يستشيرونه ويداهنون كبرياءه، فآتت الخطة ثمارها النفسية: اقتنع زعيم "تكتل القوى الديمقراطية" بصدق نية العسكريين في تسليم السلطة للمعارضة ديمقراطياً. ومن خلال سياسة "الترويض" هذه، حققوا أمرين:

  1. التحصين: تمرير المرحلة الانتقالية بهدوء حتى نهايتها وتطبيق خطتهم الاستراتيجية.

  2. التحييد: تطويع المعارضة عبر أحد أبرز قادتها حتى أُنهِكت تماماً.

لقد تجلى هذا الوضع في الأفكار التي طرحها ولد داداه في تصريحه الشهير حول "عدم تصفية الحسابات"، وهو ما ردده إعلي ولد محمد فال في سبتمبر 2005. وفي 7 سبتمبر 2005، صرح داداه للوكالة الموريتانية للأنباء: "لدي ثقة، وبكل موضوعية، في مشروع المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية".

لقد أصبح كما أراد له المجلس العسكري: "حلقة وصل" مع المعارضة عبر الإيقاع بها في فخ الحوار والتشاور الذي سيكون قاتلاً لكل أطيافها.

وهكذا أُغلقت الدائرة؛ أصبح ولد داداه هو "الطعم" الذي يُلوح له بآلاف النوايا الحسنة التي يغذي بها آماله في التغيير. لقد استخدم العسكريون استراتيجية "نفسية عسكرية" تعتمد تقنيات زعزعة استقرار الخصم عبر "التخدير بالتشاور"، وهي تشبه تماماً ما استُخدم في المكسيك: زرع البلبلة والانقسام للوصول إلى أهداف التفكيك.

وحين أدرك ولد داداه أخيراً أنه ليس المحاور الوحيد، وأن السلطة تلعب لعبتها الخاصة، حاول التراجع وندد بـ "انحراف" المجلس العسكري (خاصة بعد ظهور ولد الشيخ عبد الله كمرشح مفضل في يوليو 2006)، لكن الرياح كانت قد مالت بالفعل، وكانت استراتيجية المجلس قد وصلت ذروتها.

ثانياً: على المعارضة الرد على التدمير النفسي (إعادة النظر في كل شيء)

من المسلم به منذ عام 2005 أن الأنظمة المتعاقبة تستخدم "الحوار" والتشاور لتحييد المعارضة وكسب الوقت. كسب الوقت للتمكن سياسياً وتعزيز القواعد الاقتصادية والمالية.

  • التمكن سياسياً: تجلى في إنشاء "حزب الرئيس" الضخم لإضعاف المعارضة. وكان رد المعارضة على هذا الخطر؟ "التشاور"!

  • تعزيز القواعد المالية: بدأت تصفية المؤسسات العمومية "لإنعاش" خزينة الدولة، دون معرفة مصير تلك الأموال. ورد المعارضة؟ "التشاور"!

وماذا أنتج هذا التشاور؟ مؤتمر صحفي وتنديد في الصحف! هل أثر ذلك على سياسة الحكومة؟ أبداً! السلطة تتشاور مع المعارضة لكنها لا تستمع إليها.

لذا، هل هذه معارضة لها ثقل؟ معارضة تتشبث بالتشاور وكأنها "غرفة انتظار" للسلطة؟ لا، إن الشعب لا يريد هذه المعارضة! إنها غير فعالة، مخدرة بحوار زائف، ومختزلة في: سلطة مضادة لا تضاد شيئاً.

ما هي الحلول؟

يجب على المعارضة أن تستفيق. عليها مغادرة مسار "التشاور" و"الحوار" فوراً، والتخلي عن مؤسسة "زعيم المعارضة"، والدخول... في المعارضة الحقيقية!

عليها تبني رؤيتها الخاصة للمشكلات، ووضع استراتيجيتها للضغط على الحكومة لإجبارها على النقاش والانصياع إن لزم الأمر.

الاستراتيجية المطلوبة:

  • الانفصال عن فلك السلطات العمومية ومنح المعارضة استقلاليتها (لا زعيم، لا تشاور).

  • استخدام الوسائل القانونية للاحتجاج: إضرابات محدودة أو شاملة، تنبيه الرأي العام الوطني والدولي.

  • إشراك الكفاءات والقوى الفكرية للمعارضة لنقد السياسات (اجتماعياً، واقتصادياً، ومالياً) ونشر ذلك في الكتب والمؤتمرات للتأثير على النظام.

  • تنظيم المهرجانات والاعتصامات الاحتجاجية.

  • اكتساح المنابر الإعلامية الوطنية والدولية.

باختصار: أن تكون قوة سياسية حقيقية تعمل دون مداهنة وبوسائل المعارضة الفعلية.

عسى أن تفهم المعارضة ذلك، وإلا فقد قضي عليها؛ وستبقى مجرد واجهة لسياسة تتقوى يوماً بعد يوم. وحينها، لن يكون الوقت بعيداً قبل أن تُجبر على الخضوع أو الاختفاء. ففي السياسة، المعارضة التي لا تؤدي دورها ليست خيانة لمن تمثلهم فحسب، بل هي أكبر تهديد لدولة القانون.

الأمل الوحيد المتبقي هو أن يفي الرئيس الحالي غزواني بوعوده والتزاماته التي قدمها للمعارضة لتهدئتها. لكن إذا تحقق ذلك، فسيكسب غزواني مصداقية متزايدة، وحينها ستصبح جدوى المعارضة تتناسب عكسياً مع هذه المصداقية.

"إن الكرامة تمر عبر الشعور بالجدوى".

ا.علي مصطفى

طالع المقال »