الخميس، أوت 20، 2026

نهاية الولاية الرئاسية: ما قد يفرضه القانون على وزير للمالية بقي في منصبه طوال فترة رئاسية. بقلم الأستاذ مصطفي أحمد علي

 

يُقدم هذا المقال تحليلاً قانونياً استشرافياً يستند إلى المرسوم رقم 349-2019/PM المُحدِّد لصلاحيات وزير المالية الموريتاني؛ حيث يخلص التحليل إلى أن أياً من أنظمة المسؤولية (سواء كانت جنائية أو مدنية أو مالية أو سياسية) لا تتيح -بحكم طبيعتها- إعفاءً تلقائياً وشاملاً لوزير المالية الذي ظل في منصبه طوال فترة الولاية الرئاسية، وذلك في حال ثبوت ارتكاب مخالفات أو جرائم (جنائية أو مدنية أو مالية) على مستوى قمة هرم الدولة عند انقضاء تلك الولاية.

لكل ولاية رئاسية نهاية. ولكل نهاية عهدة، في دولة القانون، تُفتح الفترة التي يمكن خلالها طلب الحساب - لا انتقاما، بل لأن وظيفة القانون بالذات هي أن ينظّم، سلفا ولفائدة الجميع، النتائج المترتبة على التسيير العمومي بعد انتهاء العهدة. والسؤال الذي يُطرح فيما يلي لا يحتاج، لكي يُصاغ بكل الدقة المطلوبة، إلى أي واقعة محددة ولا إلى أي شخص بعينه: فلو ثبتت، عند نهاية ولاية رئاسية، وقائع فساد أو اختلاس لأموال عامة أو إثراء غير مشروع في أعلى هرم الدولة، فماذا يقول القانون عن وزير المالية الذي بقي في منصبه طوال تلك العهدة؟ إن طرح هذا السؤال قبل وقوع مثل هذه الواقعة - لا بعدها - يشكّل ممارسة قانونية مشروعة بذاتها: ذلك أن القانون الجنائي والإداري لا تكون له قوة ردع حقيقية إلا إذا كانت نتائجه معروفة قبل الفعل، لا مكتشَفة بعده على إثر فضيحة. ولا يستهدف هذا التحليل، ولا يسمي، ولا يتّهم أي شخص بعينه، سواء كان في منصبه حاليا أم لا - فالقانون الموريتاني، شأنه شأن كل نظام قائم على قرينة البراءة، يمنع ذلك منعا صريحا، وسأعود إلى هذه النقطة بالتفصيل لاحقا. بل يبني هذا التحليل إطارا عاما واستشرافيا، ينطبق على أي شخص يجد نفسه، عند نهاية أي ولاية رئاسية مقبلة، في الوضعية الموصوفة، انطلاقا من نص واحد: المرسوم الذي يحدد، مادة مادة، ما يُفترض قانونا أن يعرفه وزير المالية ويراقبه ويبلّغ عنه بحكم منصبه وحده - طوال العهدة، حتى نهايتها.

ثلاث جرائم، وثلاثة أساليب إثبات مختلفة

قبل كل شيء، لا بد من التمييز بين ثلاثة أوصاف جنائية كثيرا ما تختلط في اللغة العادية، بينما يفصل القانون بدقة بين أركانها المكوّنة - أي ما يجب إثباته لكي تُعتمد. فالفساد، إيجابيا كان (الرشو) أم سلبيا (الارتشاء)، يفترض اتفاقا بين عون عمومي وطرف ثالث مقابل منفعة؛ وتوريط وزير في ذلك يفترض إثبات مشاركته في هذا الاتفاق أو علمه به. أما اختلاس الأموال أو الممتلكات العامة فيفترض قيام شخص مؤتمن على السلطة العامة بانتزاع أموال أو ممتلكات يحوزها بحكم منصبه؛ ويمكن أن يُنسب إلى وزير المالية في هذا الشأن وصف الفاعل المشارك أو الشريك أو المُخفي - أي ذلك الذي يتولى، وهو عالم بالمصدر الاحتيالي لمال ما، حيازته أو تسييره أو تحويله - إذا كانت الأموال قد مرّت عبر قنوات خاضعة لسلطته. أما الإثراء غير المشروع، فيفترض ازديادا في الذمة المالية لا يجد تبريرا في الموارد المشروعة؛ وتفترض مسؤولية الغير إثبات أنه سمح بهذا الإثراء أو يسّره أو غطّاه بفعل أو امتناع يدخل في نطاق مهامه. غير أن هذه الجرائم الثلاث تشترك في نقطة حاسمة لما سيأتي: مسألة معرفة ما إذا كانت مثل هذه الوقائع يمكن أن تقع طوال مدة ولاية رئاسية - وقد تصل إلى عشر سنوات إذا اعتُمدت العهدتان اللتان يجيزهما أقصى ما يسمح به الدستور الموريتاني، كل منهما خمس سنوات - داخل جهاز مؤسسي يتيح القانون بالذات وصفه، دون أن يكون وزير المالية الذي كان في منصبه خلال هذه الفترة قد علم بذلك، أو كان يتوجّب عليه أن يعلم به.

وظيفة تتعارض بنيويا مع الجهل التام

إن المرسوم رقم 349-2019/PM لا يسرد أي واقعة؛ بل يحدد وظيفة. وهذا بالذات ما يجعل منه أداة إثبات صارمة، قابلة للاستعمال في كل الفرضيات ومستقلة عن أي وثيقة من وثائق التحقيق: فهو يقرر ما يُفترض قانونا أن يعرفه وزير المالية ويراقبه بحكم منصبه وحده، أيا كانت لحظة عهدته، وأيا كانت هوية شاغل هذا المنصب.

فمادته الثانية تسند إلى الوزير مهمة «تصوّر وتنسيق ومتابعة تنفيذ السياسة المالية والميزانياتية للحكومة» - وهي وظيفة تصوّر لا تنفيذ سلبي، الأمر الذي يستبعد سلفا دفاع من ينفّذ تعليمات دون أن يفهمها. وتنص مادته الثالثة على أن الوزير «يوقّع مجاورة على المراسيم الداخلة في اختصاصاته»: والتوقيع المجاور، في القانون الإداري، ليس إجراء بروتوكوليا، بل عملا من أعمال الانضمام يرتب مسؤولية خاصة بصاحبه، متميزة عن مسؤولية رئيس الدولة - بحيث إن كل مرسوم غير قانوني ذي أثر مالي، ما دام داخلا في مجال اختصاصه، سيحمل من حيث المبدأ توقيعه، وهو ما يستبعد، ما لم يثبت العكس، أن يكون قد اعتُمد دون علمه.

وتضع المادتان 9 و18 التفتيش الداخلي والمفتشية العامة للمالية تحت السلطة المباشرة للوزير، إذ تنص المادة 18 على أن المفتشية العامة للمالية «تمارس ميدانيا ومن خلال الوثائق سلطات المراقبة المخوّلة لوزير المالية نفسه» - وبذلك فإن أي إخلال في المراقبة لن يكون أبدا إخلالا يخص الجهاز التقني وحده: بل سيكون بنيويا إخلالا يخص الوزير الذي يستمد هذا الجهاز سلطاته منه. والأهم من ذلك، تفرض المادة 9 التزاما إيجابيا غير قابل للتفويض: «يجب أن يُطلع الوزير الأجهزة المختصة بالمراقبة في الدولة على المخالفات المسجَّلة في مجال التسيير المالي». وهذه العبارة تجعل من الوزير، وحده دون سواه، حلقة العبور الإلزامية بين اكتشاف مصالحه الخاصة لمخالفة ما وإحالتها على محكمة الحسابات أو النيابة العامة أو الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد - في أي لحظة من العهدة، من يومها الأول إلى يومها الأخير.

وأخيرا، تضع المادتان 4 و41 تحت سلطة الوزير أملاك الدولة والمسح العقاري، والضرائب والجمارك، وتسيير الميزانية والوصاية على الخزينة العامة. ويستند هذا التمركز المؤسسي إلى مبدأ عريق في القانون الإداري الفرنكفوني، هو مبدأ الفصل بين الآمرين بالصرف والمحاسبين العموميين - وهو مذهب موروث عن المحاسبة العمومية النابليونية، ولا يزال يشكل أساس الأنظمة المالية العمومية في موريتانيا والسنغال وفرنسا والمغرب، ويميّز بين الآمر بالصرف، وهو من يقرر النفقة ويأذن بها، والمحاسب، وهو من يؤديها ويمركزها. ويجعل المرسوم من وزير المالية الآمر الرئيسي بالصرف أو سلطة الوصاية على جل هذه القنوات. وهذا التمركز لا يثبت في حد ذاته المشاركة في أي فعل محدد، لكنه يقرر أن أي عملية اختلاس واسعة النطاق، متكررة طوال مدة عهدة، لا يمكن إحصائيا أن تسلك إلا قنوات خاضعة لهذه السلطة نفسها.

المنطق القائم على المعضلة (الاستدلال الثنائي)

وهذه النقطة الأخيرة هي التي تتيح بناء استدلال لا تتوقف صرامته، عند الحاجة، على أي وثيقة إجرائية خارجة عن المرسوم نفسه - وهو معضلة منطقية، أي استدلال يرتب فرعاه، بالتناوب، شكلا من أشكال المسؤولية، دون أن يتوفر أي مخرج ثالث.

الفرع الأول: أن يكون الوزير قد علم، أو لم يكن بمقدوره، في حدود المعقول، أن يجهل المخالفات، بالنظر إلى موقعه التسلسلي على رأس جميع أجهزة المراقبة. وفي هذه الحالة، يشكّل صمته أو تقاعسه، بحسب درجة المشاركة الثابتة، اشتراكا في الجريمة، أو إخفاء، أو على الأقل امتناعا عن التبليغ. الفرع الثاني: أن يكون الوزير قد جهل فعلا هذه المخالفات، رغم صلاحيات المراقبة والالتزام بالتبليغ اللذين يخوّلهما له المرسوم. وفي هذه الحالة، لا يمكن تفسير هذا الجهل الممتد إلا بإخلال جسيم ومستمر في ممارسة صلاحياته الرقابية الخاصة - أي خطأ في التسيير، من شأنه أن يرتب مسؤوليته المدنية ومسؤوليته أمام محكمة الحسابات، إن لم تثبت مسؤوليته الجنائية المباشرة.

ولا تتيح هذه المعضلة وحدها أن يُحدَّد سلفا أي الفرعين سينطبق على وضعية بعينها - فذلك أمر لا يمكن أن يبتّ فيه إلا تحقيق قضائي، عند الحاجة، بوثائقه وشهاداته. وكل ما تتيحه هو التأكيد، منذ اليوم وللمستقبل، أن أيا من الفرعين لن يفضي إلى إعفاء تام وتلقائي من المسؤولية. ويعرف القانون الجنائي المقارن صورة قريبة من هذا الفرع الثاني: وهي ما يُعرف بمذهب «التعامي الإرادي» (willful blindness)، الذي كرّسته المحاكم الأمريكية منذ قرار قضية الولايات المتحدة ضد جويل (United States v. Jewell) لسنة 1976، ونظيره في الأنظمة القانونية اللاتينية، وهو «القصد الاحتمالي» - أي وضعية فاعل يمتنع عمدا، دون أن يسعى فعليا للتحقق من حقيقة يستشعرها، عن معرفتها لكي يحتفظ لنفسه بإمكانية الإنكار المعقول. ولا يعامل القانون هذا الامتناع بوصفه جهلا بريئا: بل يعامله، وفق شروط محددة بدقة، بوصفه معادلا وظيفيا للعلم ذاته.

أربعة أنظمة للمسؤولية، وأربعة مستويات للإثبات

على هذا الأساس، قد يفتح القانون الموريتاني أربعة مسارات مستقلة محتملة، لكل منها مستوى خاص من متطلبات الإثبات - وهي نقطة تحظر الدقة فيها أي خلط، اليوم كما يوم يُطرح السؤال فعليا.

ففي المجال الجنائي، يمكن تصوّر عدة أوصاف: المساهمة الأصلية أو الاشتراك في الاختلاس، وهو ما يفترض إثبات فعل إيجابي - الأمر بالصرف، أو التوقيع المجاور، أو الترخيص - يكون قد سمح بالعملية موضوع النزاع مع العلم بطابعها غير القانوني؛ والإخفاء، الذي سبق تعريفه أعلاه؛ وعدم التبليغ، الذي يفترض إثباتا موثقا بأن مخالفة ما قد بُلّغت إلى علم الوزير دون أن تُحال إلى الأجهزة المختصة؛ وغسل الأموال، الذي يفترض أعمال تسيير سمحت بإخفاء أموال ذات مصدر غير مشروع أو إعادة إدماجها في الدوائر الميزانياتية. أما في المجال المدني، فقد تُثار مسؤولية الوزير عن خطأ في التسيير - أي إخلال، حتى لو كان غير متعمد، بواجب اليقظة - من شأنه أن يؤسس دعوى رجوع للدولة، أي دعوى تلجأ من خلالها الدولة، بعد أن تكون قد عوّضت عن ضرر ما، إلى الرجوع على المسؤول لتحميله عبء ذلك التعويض. وفي المجال المالي، تتمتع محكمة الحسابات، المحدَثة بموجب المادة 68 من دستور 20 يوليو 1991، بسلطة قضائية لزجر أخطاء التسيير التي يرتكبها الآمرون بالصرف، وهي سلطة مستقلة عن أي متابعة جنائية، ويمكن أن تُعرض عليها القضية استنادا إلى قوانين التصفية المالية التي تغطي مجموع العهدة. أما في المجال السياسي، فإن التضامن الحكومي يعرّض كل وزير للأعمال المتخذة بصفة جماعية، في حين أن المحكمة العليا للعدل، التي أُعيد تنظيمها سنة 2017، لا تبقى مختصة إلا في الوقائع القابلة لوصف الخيانة العظمى - وهو معيار تقييدي لا يشمل بالضرورة جريمة فساد عادية، إذ تؤول هذه الأخيرة عندئذ إلى القضاء الجنائي العادي أو إلى الأقطاب المتخصصة في المجال الاقتصادي والمالي، لا إلى المحكمة العليا للعدل وحدها.

ما لا يثبته هذا الاستدلال - ولماذا تشكّل هذه الحدود مصدر قوته

لا تكمن صرامة هذا البرهان فيما يثبته فحسب، بل كذلك، وبالقدر نفسه من الدقة، فيما يُقرّ بأنه لا يثبته. فالوظيفة تولّد احتمالا للعلم، وما يسميه قانون الإثبات الجنائي حزمة من القرائن - أي مجموعة من الملابسات المتقاربة التي يمكن أن تُكوّن معا، دون أن تكفي أي منها بمفردها، قناعة القاضي. ولن تشكل هذه الحزمة أبدا، وحدها، دليلا. ذلك أن القانون الجنائي يشترط ركنا معنويا - العلم أو القصد - وركنا ماديا - فعلا أو امتناعا محددين - يخصان الشخص الملاحق بعينه، لا قرينة إدانة ملازمة لمنصب ما. كما أن الطابع الجماعي للقرار العمومي لا يرتب هو الآخر مسؤولية فردية تلقائية: فقد يكون التوقيع المجاور قد وُضع استنادا إلى معلومات ناقصة أو أخفاها عمدا فاعلون آخرون، وهي فرضية لا يمكن استبعادها أو تأكيدها إلا بتحقيق قضائي. أما طول مدة تولي المنصب، فإن كان من شأنه أن يُضعف فرضية الجهل التام، فإنه لا يُعفي من إثبات، بالنسبة لكل واقعة محددة يُعتد بها، أن الوزير الذي كان في منصبه في ذلك التاريخ كان يعلم بها أو كان يتوجب عليه، في حدود المعقول، أن يعلم بها.

وثمة في حقل آخر تماما من حقول القانون - هو القانون الدولي الجنائي - صورة تُنير، عن طريق القياس والمقابلة، بنية هذا الاستدلال: وهي مذهب مسؤولية الرئيس التسلسلي (مسؤولية القيادة)، الذي كرّسته لأول مرة المحكمة العليا الأمريكية في قضية الجنرال الياباني ياماشيتا سنة 1946، والمقنَّن اليوم في المادة 28 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، والذي يُقرّ مسؤولية القائد العسكري عن الجرائم التي يرتكبها مرؤوسوه متى «كان يعلم، أو كان ينبغي له أن يعلم» ولم يتخذ التدابير اللازمة لمنعها أو قمعها. وهذا المذهب لا ينطبق كما هو على وزير المالية - فهو خاص بقانون النزاعات المسلحة وبتسلسل قيادي من طبيعة أخرى - لكنه يجسّد مبدأ أعم، يوجد أيضا في أساس نظرية السلطة العقلانية-القانونية التي طوّرها عالم الاجتماع ماكس فيبر في مطلع القرن العشرين: ففي الإدارة الحديثة، تلتصق المسؤولية بالوظيفة وبالصلاحيات التي تخوّلها، لا بالإرادة الشخصية لشاغلها وحدها. وهذا هو المنطق ذاته، بعد نقله إلى القانون المالي العمومي، الذي تجسده المعضلة المعروضة أعلاه.

 

إن المرسوم رقم 349-2019/PM، بتحديده اختصاصات وزير المالية الموريتاني، يرسم وظيفة تصوّر وتوقيع مجاور ووصاية ومراقبة، من شأنها أن تجعل من غير المحتمل بنيويا أن يكون شاغل هذا المنصب، عند نهاية ولاية رئاسية قد تصل إلى عشر سنوات، قد جهل بصفة مشروعة وقائع فساد أو اختلاس أو إثراء غير مشروع تثبت في أعلى هرم الدولة التي خدم تحت سلطتها. وسيغلق الاستدلال القائم على المعضلة - إما العلم والصمت، وإما الجهل والإخلال بالمراقبة - أمام أي وزير يوجد في هذه الوضعية عند نهاية عهدته، باب الإعفاء التام والتلقائي من المسؤولية، وسيفتح، بحسب الوقائع التي قد يثبتها تحقيق ما، مجمل أنظمة المسؤولية المستعرَضة هنا: الجنائية والمدنية والمالية والسياسية.

وليس تأسيس هذا الإطار سلفا، قبل معرفة أي واقعة، مجرد تمرين لا طائل منه: فهذا بالضبط ما يحدده التحليل الاقتصادي للقانون، منذ الأعمال التأسيسية للاقتصادي غاري بيكر حول الردع الجنائي، بوصفه الشرط ذاته لتحقيق الأثر الرادع لقاعدة قانونية - ذلك أن النتيجة القانونية لا تغيّر سلوك من تستهدفهم إلا إذا كانت معروفة ومتوقَّعة قبل الفعل، لا مكتشَفة بعده. وإطار مسؤولية معلَن بوضوح، سلفا ولفائدة الجميع، أجدى، من زاوية الحوكمة العمومية، من صمت لا يُكسر إلا بعد وقوع فضيحة.

غير أن هذه الخلاصة البنيوية لا تُعفي في أي لحظة سلطة المتابعة - النيابة العامة، ومحكمة الحسابات، والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، التي يندرج عملها ضمن الإطار الأوسع الذي حددته اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، وموريتانيا من بين الدول الخاضعة للاستعراض بموجبها - من الالتزام بأن تُثبت، بالنسبة لكل شخص مسمى بعينه، الأفعال المحددة والعلم الفعلي أو الإهمال الموصوف التي من شأنها أن تحوّل هذا الاحتمال المؤسسي إلى مسؤولية قائمة على أساس قانوني. وبهذا الشرط وحده يبقى هذا البرهان، الصارم في بنيته، متوافقا أيضا مع مقتضيات المحاكمة العادلة وقرينة البراءة، التي كرّستها المادة 13 من الدستور الموريتاني الصادر في 20 يوليو 1991. فالقانون يُغلق باب الإعفاء التلقائي؛ لكنه لا يفتح، وحده، أي باب لإدانة شخص بعينه. وبين الأمرين، لا يوجد سوى عمل التحقيق، الصبور والمنهجي - يوم يصبح ضروريا، إن جاء ذلك اليوم.

كل ولاية تشريعية نهاية، وعلى كل مسؤول أن يحمي شخصه ونزاهته، لا من خلال الطبيعة الزائلة للعمل السياسي، بل عبر ثبات القانون وديمومته.

الأستاذ مصطفي أحمد علي

 

ملاحظة: إن هذا التحليل إطارا عاما واستشرافيا، ينطبق على أي وزير للمالية يجد نفسه، عند نهاية أي ولاية رئاسية مقبلة، في الوضعية الموصوفة - لا على شخص مسمى بعينه، سواء كان في منصبه حاليا أم لا. ويستند حصرا إلى المرسوم رقم 349-2019/PM المحدد لاختصاصات وزير المالية الموريتاني وإلى القانون الجنائي والمدني والمالي والدستوري الموريتاني الساري المفعول، دون الإحالة إلى أي قضية سبق الفصل فيها. ولا يشكل هذا التحليل قرار اتهام، ولا خبرة قضائية، ولا موقفا رسميا، ولا يجوز أن يُقرأ على أنه يستهدف شخصا بعينه.

طالع المقال »

الجمعة، أفريل 10، 2026

رسالة مفتوحة إلى مواطنيّ الموريتانيين في تونس - لأستاذ أعلي مصطفى


أيها المواطنون الأعزاء،

أكتب إليكم بشعور عميق من المسؤولية، حاملاً في قلبي كل مودة صادقة وإخلاص حقيقي. فمنذ سنوات السبعينيات ونجن نرافق دون انقطاع الأجيال المتعاقبة من الموريتانيين الذين اختاروا تونس أرضاً للدراسة والعمل وتحقيق الذات، وسنظل أوفياء لهذا العهد بالتزام وإخلاص لا يتزعزعان.

تجمع تونس بموريتانيا روابط من عمق نادر. فمنذ استقلال بلادنا، كانت تونس، بثبات مثالي، منارةً للأخوة العرب والأفريقة، مانحةً مواطنينا ظروف استقبال وإقامة لا مثيل لها. وهذه الضيافة الكريمة ليست محض مصادفة، بل هي ثمرة علاقة ثنائية متينة شُيِّدت على أسس الاحترام المتبادل والتضامن المغاربي والمصير المشترك لشعبينا. وإن صون هذه العلاقة والحرص عليها لهو من صميم شرفنا الجماعي.

ومن هذا المنطلق الأخوي الرشيد، وبكل الصراحة التي تفرضها مسؤوليتي بوصفي رجل قانون وعميداً، لا بد لي من أن أتناول واقعةً ملحوظة: إذ وجد بعض مواطنينا أنفسهم مؤخراً في أوضاع تنطوي على مخالفات قانونية، أو تعرضوا لإنذارات رسمية في ضوء التشريع التونسي النافذ. وأؤكد بكل حزم أن هذه الحالات تبقى استثنائية ومعزولة، ولا يمكن بأي حال أن تمسّ صورة جاليتنا التي يعيش أبناؤها في غالبيتهم الساحقة بكرامة واجتهاد واحترام تام للقوانين. هؤلاء لا يمثلوننا، ولا يمثلون موريتانيا.

وبوصفي رجلاً قانونياً، يقع على عاتقي تذكيركم بالأحكام القانونية الجوهرية التي تنظم إقامتكم على الأراضي التونسية، حتى لا يتخذ أحد من الجهل حجةً له.

يُمثّل القانون عدد 68-7 المؤرخ في 8 مارس 1968 المتعلق بأوضاع الأجانب في تونس النص القانوني المرجعي الأساسي في هذا الباب. وأحكامه الجزائية صريحة لا تحتمل التأويل. فالفصل 23 ينص على أن كل أجنبي يدخل الأراضي التونسية أو يغادرها دون استيفاء الشروط القانونية المقررة، أو يُهمل التقدم بطلب تأشيرة الإقامة أو بطاقة الإقامة في الأجل القانوني، يُعرّض نفسه لعقوبة السجن من شهر إلى سنة وغرامة مالية. وأشد من ذلك ما نصّ عليه الفصل 24 من السجن من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات بحق كل أجنبي يقدم وثائق مزورة أو يدلي بمعلومات كاذبة إخفاءً لهويته أو مهنته أو جنسيته.

ومما ينبغي معرفته أن كل أجنبي يقيم في تونس ما لا يقل عن ثلاثة أشهر متواصلة أو ستة أشهر متفرقة خلال سنة واحدة يُعدّ مقيماً ويصبح ملزماً بالحصول على بطاقة إقامة. وكل تجاوز غير مُسوَّى يُعرّض صاحبه للترحيل والسجن، فضلاً عن غرامات تأخير بواقع 20 ديناراً أسبوعياً في حدود سقف قدره 3000 دينار المعمول به منذ سنة 2017. يُضاف إلى ذلك أن الفصل 8 من القانون ذاته يحظر صراحةً على كل أجنبي مزاولة أي نشاط مأجور في تونس دون الحصول على إذن مسبق من السلطة المختصة.

وثمة حكم يجهله كثيرون يستوجب الانتباه الشديد: إذ يُلزم الفصل 21 كل شخص - سواء أكان صديقاً أم قريباً - يُسكن أجنبياً في مسكنه بإخطار مركز الشرطة أو الحرس الوطني المختص في غضون 48 ساعة، وإلا تعرض لعقوبات جزائية. فضلاً عن ذلك، تشير المعطيات الراهنة إلى أن مشاريع تعديل تشريعية قيد الدراسة أمام مجلس نواب الشعب تتجه نحو تشديد هذه العقوبات، بحيث ترتفع أحكام السجن في حالات الدخول أو الخروج غير النظامي إلى ما بين سنة وثلاث سنوات، وتصل الغرامات المالية إلى 5000 دينار.

وإزاء هذه الحقائق القانونية، وانطلاقاً من القاعدة الفقهية الراسخة "لا يُعذَر أحد بجهل القانون"  أضع مجاناً إستشارتي القانونية في خدمة جميع الموريتانيين المقيمين في تونس. فلكل من تعتريه تساؤلات تتعلق بإقامته أو وضعه الإداري أو نشاطه المهني، أو أي إشكالية قانونية تُقلقه، أدعوه إلى مراسلتي مباشرة، متعهداً بتزويده بالمعلومة القانونية الضرورية أو توجيهه نحو المؤسسة العمومية أو الخاصة الأجدر بمساعدته.

 lawistrust@gmail.com

هذه المبادرة امتداد طبيعي لمسيرة مديدة في مرافقة مواطنينا على هذه الأرض التونسية الكريمة. وغايتها تعزيز حضورنا في تونس في إطار من الأخوة الصادقة والمشروعية والأدب الرفيع والاحترام العميق للبلد الذي يحتضننا.
 
معاً، لنواصل تكريس الثقة المتبادلة التي تجمع بلدينا وترسيخها، وهي ثقة تمتد جذورها عبر عقود من الزمن.

وتفضلوا بقبول فائق التقدير والاحترام الأخوي،

الأستاذ  أعلي مصطفى
عميد الأساتذة الجامعيين الموريتانيين في تونس

 

طالع المقال »

الثلاثاء، مارس 31، 2026

المعارضة: حوار الازدراء وازدراء الحوار - بقلم: أ. علي مصطفى


أمر لا يُصدق! لا تزال المعارضة تطمح في الحوار... بل إن بعض أقطابها يعرضون على غزواني مواضيع للنقاش، ويرسمون له "خارطة طريق"! إن معارضة كهذه، تماماً كأرقامها في صناديق الاقتراع، تملك ذاكرة قصيرة المدى.

أما بالنسبة للمواطن الموريتاني البسيط الذي منح صوته لهذه المعارضة، فإن الأمر ليس سوى كابوس؛ إذ أدرك أخيراً (ربما بعد فوات الأوان!) أنه لم تكن هناك قط معارضة حقيقية. وحتى إن وُجد "نفسٌ" معارض ذات يوم، فقد باع قادته أرواحهم وأرواح أنصارهم في مزادات "الحوارات" و"التشاورات" التي امتصت طاقتها منذ الانقلابات العسكرية المتتالية، وأثارت الانقسامات في صفوفها، واختزلتها في مجرد حقيبة من المشاورات تلوح بها لأول ممسك بزمام السلطة، ولو رغماً عنها.

في الواقع، وبعيداً عن الحجج التي تتكرر مع كل مأمورية حول "السلم الاجتماعي" و"الوفاق" -وهي الشعارات التي تُسيل لعاب المعارضة لعقود- هناك حقيقة ديمقراطية ثابتة يبنى عليها توازن القوى وممارسة السلطة، وهي: "المعارضة التي تحاور ليست معارضة".

إن المعارضة التي تنخرط في "الحوار" هي معارضة تخون روح اللعبة الحزبية التي هي عماد الديمقراطية؛ فهي تدمر جوهر العمل السياسي المتمثل في كونه سلطة مضادة تهدف إلى التوجيه والتأثير، ثم الوصول إلى السلطة إن أمكن، من خلال تقديم بدائل جديدة ومسارات ممكنة، مستفيدة من تجارب وإخفاقات السلطة القائمة.

إن معارضة اليوم ليست سوى انعكاس باهت لما يجب أن تكون عليه المعارضة في دولة ديمقراطية.

المعارضة التي تحاور ليست معارضة.

سمّوها ما شئتم: مجاورة، أو موازاة، أو تبادلاً، أو انقلاباً في المواقف... لكن لا تسمّوها معارضة. فهذه المعارضة التي تهرول خلف الحوار مع السلطة هي أسوأ ما يمكن أن تُبتلى به موريتانيا. وإن الوقوف في وجه هذه "المعارضة" هو الواجب الأول لكل مواطن حريص على المستقبل السياسي لبلده.

ماذا يجب أن يكون سلوك معارضة جديرة بهذا الاسم؟

المعارضة الحقيقية هي التي تنظم صفوفها، وتحشد مواردها المادية والمالية، وتعد برنامجها السياسي وتنشره، وتلتقي بمناضليها، وتنسج التحالفات، وتستنفد طاقتها في حشد رأي عام موالٍ لها؛ بعبارة أخرى: تُعد بعدة نضالية لمشاركتها في الانتخابات القادمة.

أما المعارضة التي تكتفي بالتحديق في السلطة بانتظار إشارة من صاحبها، فليست سوى وعاء للبؤس الحزبي، تمد قصعتها لتتلقى فُتات حوار صار هو كل برنامجها.

إن واجب كل موريتاني هو ألا ينطوي تحت لواء هذه المعارضة، بل أن يفر منها فراره من الطاعون المؤسسي. فإذا كان الشعب قد دُست كرامته واستُلبَت سلطته، فذلك كان - ولا يزال - بسبب هذه المعارضة تحديداً.

تاريخياً، دعونا نتذكر...

ظلت المعارضة تقتات على أطلال "اتفاق داكار" الذي وُلد ميتاً، متوهمة أن لها ثقلاً في مؤسسات الدولة يخولها انتزاع تنازلات من "عزيز"، لكنها أخطأت ولا تزال تخطئ. إنها تطالب برد مكتوب، بل والتزام مكتوب من "عزيز" حول نقاط الخلاف وشروط الحوار... إنها "معارضة المضحكات".

لم يطلب "عزيز" رأي المعارضة حين استولى على السلطة بالقوة، ولم يطلب منها إذناً حين "شَرْعَنَ" نفسه عبر صناديق الاقتراع. "عزيز" كان يدرك تماماً أن المعارضة لا تُجدي نفعاً بالنسبة له.

ما خدم "عزيز" حقاً هو استمرار المعارضة في التلهف للحوار ككلب ينتظر عظمة. لقد كان الحوار بالنسبة له أداة "ميكافيلية"؛ يشهرها حين تدفعه سوء نيته لذلك، ويسحبها كلما صدقت المعارضة اللعبة.

هذه المعارضة تخدم أجندة السلطة، وهنا مكمن خطرها. فهي تتكون - ما عدى البعض المنزوين عن السلطة - من مجموعات من الأتباع الذين يشكلون "حلقة وصل" مع السلطة؛ وهم أنفسهم "المقابض" التي تستخدمها السلطة لاستدراج المعارضة وإغوائها.

تتألف هذه "المقابض" من قيادات أكلها الحقد لفقدان السلطة ولم تعد تعرف سبيلاً للعودة إليها، ومن أفراد يساومون بمواقفهم مقابل فتات المناصب، ويثيرون داخل المعارضة نوعاً من "هوس الحوار" الذي لا يخلو من هذيان المصالح المادية.

وفي المحصلة، تظل هذه المعارضة المهتمة بالحوار هي الضحية والمخدوعة في آن واحد.

دعونا نتذكر أن المعارضة هي المسؤول الأول عما آلت إليه أوضاع البلاد. فإذا كان ولد عبد العزيزمكث في السلطة ، فبسبب المعارضة. لذا، فليس "لمعارضة يوليوز" إلا ما حصدت يداها.

إن هذه المعارضة التي هرعت للتفاوض في داكار على تسليم رئيس منتخب، لا تنال اليوم إلا ما تستحقه. ففي موريتانيا، ليس للشعب الحكام الذين يستحقهم فحسب، بل له أيضاً المعارضة التي يستحقها. وبسبب هذه المعارضة، وانقساماتها الداخلية، وانتهازيتها، وسباقها المشتت نحو الرئاسة في الانتخابات الماضية، تُحكم البلاد بهذه الطريقة.

المعارضة التي تحاور لتكريس زورها، ليست معارضة.

ما الذي حدث لتصل المعارضة إلى ما هي عليه اليوم؟ ببساطة: لم تستخلص العبر من الماضي السياسي القريب للبلاد.

أولاً: المعارضة أو التدمير النفسي (دروس الماضي)

في عام 2005، لم تكن هناك استراتيجية أكثر بريقاً وخبثاً من تلك التي قوضت المعارضة وسلبتها فوزها في الانتخابات الرئاسية والتشريعية. لقد قرر القائمون على المرحلة الانتقالية تلغيم المعارضة وتحجيمها عبر استراتيجية "التشاور" التي أوقعت في "الفخ" أولئك الذين كان بإمكانهم قلب الموازين. قرر "ثعالب" المرحلة الانتقالية، المتمرسون في الحلول الوسط الزائفة، تحييد معارضة كانت تملك عشية 3 أغسطس 2005 قوة وشرعية يخشونها أكثر من أي شيء آخر.

كان يكفي ألا تعترف المعارضة بالانقلاب، وأن تتشبث بمكاسبها التاريخية، وتضرب بيد من حديد لتجبر من خططوا للانتقال لأهداف مبيتة على التراجع. لكن ذلك لم يحدث، لأن ثعالب المرحلة الانتقالية سارعوا لتحديد "كعب أخيل" المعارضة في شخص قادتها، ولا سيما أحمد ولد داداه.

تأكد لهم ذلك حين كان ولد داداه أول المعترفين بالانقلاب وبدوره في الديمقراطية، فأصبح بذلك "المحاور" الذي سيُستخدم كحصان طروادة لزعزعة استقرار المعارضة. كانت طيبة نية أحمد ولد داداه لا يضاهيها إلا سوء نية من سيستخدمونه رغماً عنه. ومن هنا بدأ العمل على "التآكل النفسي" كقلعة محاصرة.

خلال الأشهر الأولى، كانوا يستشيرونه ويداهنون كبرياءه، فآتت الخطة ثمارها النفسية: اقتنع زعيم "تكتل القوى الديمقراطية" بصدق نية العسكريين في تسليم السلطة للمعارضة ديمقراطياً. ومن خلال سياسة "الترويض" هذه، حققوا أمرين:

  1. التحصين: تمرير المرحلة الانتقالية بهدوء حتى نهايتها وتطبيق خطتهم الاستراتيجية.

  2. التحييد: تطويع المعارضة عبر أحد أبرز قادتها حتى أُنهِكت تماماً.

لقد تجلى هذا الوضع في الأفكار التي طرحها ولد داداه في تصريحه الشهير حول "عدم تصفية الحسابات"، وهو ما ردده إعلي ولد محمد فال في سبتمبر 2005. وفي 7 سبتمبر 2005، صرح داداه للوكالة الموريتانية للأنباء: "لدي ثقة، وبكل موضوعية، في مشروع المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية".

لقد أصبح كما أراد له المجلس العسكري: "حلقة وصل" مع المعارضة عبر الإيقاع بها في فخ الحوار والتشاور الذي سيكون قاتلاً لكل أطيافها.

وهكذا أُغلقت الدائرة؛ أصبح ولد داداه هو "الطعم" الذي يُلوح له بآلاف النوايا الحسنة التي يغذي بها آماله في التغيير. لقد استخدم العسكريون استراتيجية "نفسية عسكرية" تعتمد تقنيات زعزعة استقرار الخصم عبر "التخدير بالتشاور"، وهي تشبه تماماً ما استُخدم في المكسيك: زرع البلبلة والانقسام للوصول إلى أهداف التفكيك.

وحين أدرك ولد داداه أخيراً أنه ليس المحاور الوحيد، وأن السلطة تلعب لعبتها الخاصة، حاول التراجع وندد بـ "انحراف" المجلس العسكري (خاصة بعد ظهور ولد الشيخ عبد الله كمرشح مفضل في يوليو 2006)، لكن الرياح كانت قد مالت بالفعل، وكانت استراتيجية المجلس قد وصلت ذروتها.

ثانياً: على المعارضة الرد على التدمير النفسي (إعادة النظر في كل شيء)

من المسلم به منذ عام 2005 أن الأنظمة المتعاقبة تستخدم "الحوار" والتشاور لتحييد المعارضة وكسب الوقت. كسب الوقت للتمكن سياسياً وتعزيز القواعد الاقتصادية والمالية.

  • التمكن سياسياً: تجلى في إنشاء "حزب الرئيس" الضخم لإضعاف المعارضة. وكان رد المعارضة على هذا الخطر؟ "التشاور"!

  • تعزيز القواعد المالية: بدأت تصفية المؤسسات العمومية "لإنعاش" خزينة الدولة، دون معرفة مصير تلك الأموال. ورد المعارضة؟ "التشاور"!

وماذا أنتج هذا التشاور؟ مؤتمر صحفي وتنديد في الصحف! هل أثر ذلك على سياسة الحكومة؟ أبداً! السلطة تتشاور مع المعارضة لكنها لا تستمع إليها.

لذا، هل هذه معارضة لها ثقل؟ معارضة تتشبث بالتشاور وكأنها "غرفة انتظار" للسلطة؟ لا، إن الشعب لا يريد هذه المعارضة! إنها غير فعالة، مخدرة بحوار زائف، ومختزلة في: سلطة مضادة لا تضاد شيئاً.

ما هي الحلول؟

يجب على المعارضة أن تستفيق. عليها مغادرة مسار "التشاور" و"الحوار" فوراً، والتخلي عن مؤسسة "زعيم المعارضة"، والدخول... في المعارضة الحقيقية!

عليها تبني رؤيتها الخاصة للمشكلات، ووضع استراتيجيتها للضغط على الحكومة لإجبارها على النقاش والانصياع إن لزم الأمر.

الاستراتيجية المطلوبة:

  • الانفصال عن فلك السلطات العمومية ومنح المعارضة استقلاليتها (لا زعيم، لا تشاور).

  • استخدام الوسائل القانونية للاحتجاج: إضرابات محدودة أو شاملة، تنبيه الرأي العام الوطني والدولي.

  • إشراك الكفاءات والقوى الفكرية للمعارضة لنقد السياسات (اجتماعياً، واقتصادياً، ومالياً) ونشر ذلك في الكتب والمؤتمرات للتأثير على النظام.

  • تنظيم المهرجانات والاعتصامات الاحتجاجية.

  • اكتساح المنابر الإعلامية الوطنية والدولية.

باختصار: أن تكون قوة سياسية حقيقية تعمل دون مداهنة وبوسائل المعارضة الفعلية.

عسى أن تفهم المعارضة ذلك، وإلا فقد قضي عليها؛ وستبقى مجرد واجهة لسياسة تتقوى يوماً بعد يوم. وحينها، لن يكون الوقت بعيداً قبل أن تُجبر على الخضوع أو الاختفاء. ففي السياسة، المعارضة التي لا تؤدي دورها ليست خيانة لمن تمثلهم فحسب، بل هي أكبر تهديد لدولة القانون.

الأمل الوحيد المتبقي هو أن يفي الرئيس الحالي غزواني بوعوده والتزاماته التي قدمها للمعارضة لتهدئتها. لكن إذا تحقق ذلك، فسيكسب غزواني مصداقية متزايدة، وحينها ستصبح جدوى المعارضة تتناسب عكسياً مع هذه المصداقية.

"إن الكرامة تمر عبر الشعور بالجدوى".

ا.علي مصطفى

طالع المقال »

الأربعاء، جانفي 28، 2026

في كرامة الأستاذ الموريتاني : عندما تُهان النخبة في عقر دارها. بقلم أ. أحمد علي مصطفى

في الوقت الذي تراهن فيه الأمم الناهضة على التعليم كقاطرة للتنمية، وتضع المعلم والأستاذ الجامعي في أعلى مراتب التقدير الاجتماعي والمادي، يبدو أن المشهد في موريتانيا يسير في اتجاه معاكس ومقلق. لم يعد الحديث عن "تهميش" الأستاذ مجرد شعارات استهلالية في الخطابات النقابية، بل تحول إلى واقع ملموس وموثق، ولعل البيان الصادر عن المكتب التنفيذي للنقابة الوطنية للتعليم العالي (SNESUP) بتاريخ 28 يناير 2026، يشكل أحدث وأصدق دليل على الدرك الذي انحدرت إليه معاملة "بناة الأجيال".

المحكمة الصورية.. والمحاكمة الحقيقية للقيم

إن ما كشفته الوثيقة النقابية الصادرة عقب أحداث "المحكمة الصورية" بكلية العلوم القانونية والسياسية، يحمل مفارقة مؤلمة وموجعة. ففي رحاب كلية تُعنى بتدريس القانون والعدالة، وأثناء نشاط يفترض أن يرسخ قيم الاحترام والمرافعات الراقية، تعرض نقيب أساتذة التعليم العالي ونخبة من الأساتذة للإساءة. إن الحادثة، كما يصفها البيان، لم تكن مجرد سوء فهم عابر، بل "تصرفاً غير لائق ينم عن مستوى مرفوض"، ومساساً بكرامة الأستاذ وإنزاله من "المنزلة اللائقة".

عندما يُهان الممثل الشرعي للأساتذة (النقيب) في محفل عام، فإن الإهانة لا تلحقه كشخص، بل هي صفعة موجهة للجسم الأكاديمي برمته، ورسالة سلبية مفادها أن الرمزية النقابية والعلمية لم تعد تشكل حصانة في وجه سياسات التهميش والاستهتار.

كرامة الأستاذ.. الخط الأحمر الذي تم تجاوزه

لقد رفع البيان شعار "كرامة الأستاذ خط أحمر"، وهو شعار يلخص جوهر الأزمة. إن المعاناة لم تعد تقتصر على المطالب المادية المشروعة - رغم أهميتها وإلحاحها كما ورد في البند الثالث من البيان الذي يطالب بالتعامل بجدية مع العريضة المطلبية - بل تجاوزتها إلى "الحقوق المعنوية" و"هيبة الأستاذ الجامعي".

إن الوثيقة المرفقة تضعنا أمام حقيقة صادمة: هناك "سياسة تهميش" ممنهجة، وهناك استسهال في النيل من القامات العلمية. وإذا كانت النقابة قد أبدت مرونة سابقاً وفضلت "خيار الشراكة والحوار"، فإن هذا البيان يأتي ليؤكد أن الصبر قد نفد، وأن التهاون في الكرامة هو انتحار مهني وأخلاقي لا يمكن القبول به.

الدعوة للمحاسبة.. صرخة لاستعادة الهيبة

إن مطالبة النقابة في بيانها بـ "الاعتذار" و"محاسبة المسؤولين" وضمان "عدم التكرار"، ليست مجرد رد فعل انفعالي، بل هي محاولة أخيرة لترميم ما تبقى من هيبة الحرم الجامعي. فغياب المحاسبة يعني تشريع الباب أمام المزيد من التجاوزات، وتحويل الجامعة من فضاء للعلم والاحترام المتبادل إلى ساحة للصراعات وتصفية الحسابات الضيقة التي لا تليق بمقام العلماء.

 قضية وطن لا قضية فئة

إن ما حدث في كلية العلوم القانونية والسياسية، وما وثقه هذا البيان، هو جرس إنذار للدولة والمجتمع الموريتاني. إن الأستاذ المهان لا يمكنه أن يربي جيلاً عزيز النفس، والأستاذ المهمش لا يمكنه أن يقود قاطرة البحث العلمي والإبداع.

إن التضامن مع ما ورد في بيان النقابة الوطنية للتعليم العالي ليس انحيازاً لفئة مهنية، بل هو انحياز لمستقبل موريتانيا. فالتعليم العالي هو "الرأس" الذي يفكر به المجتمع، وإذا أصيب الرأس بالصداع أو تعرض للضرب، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. حان الوقت لرفع اليد عن كرامة الأستاذ، والاستجابة الجادة للعريضة المطلبية، قبل أن نجد أنفسنا أمام صرح تعليمي خاوٍ من الروح، تسكنه الأجساد وتغادره العقول والكرامة.

 أ. أحمد علي مصطفى

 

 

طالع المقال »

الأحد، نوفمبر 02، 2025

التسمية والتشهير: محاكمة الدولة الموريتانية أمام العدالة. بقلم الأستاذ علي مصطفى


 القضية بسيطة في وقائعها لكنها خطيرة في تبعاتها: بعد ملاحظات مالية سَجلتها محكمة الحسابات، قام الجهاز التنفيذي بنشر قائمة اسمية تضم ثلاثين شخصًا وُصفوا بأنهم «مشتبه في تورطهم». غير أن إحالة الملفات من طرف المحكمة إلى العدالة غايتها قضائية بحتة وليست إعلامية. إن نشر الهويات في هذه المرحلة يُعد انتهاكًا لقرينة البراءة، ولسرية الإجراءات، ولحماية السمعة والبيانات الشخصية. ويتيح القانون الوضعي، في مثل هذه الحالة، أسسًا قوية للمطالبة العاجلة بسحب تلك المنشورات، والتعويض الكامل عن الضرر، ومعاقبة من قام بالتسريبات غير القانونية عند الاقتضاء.

ثلاثون اسمًا قُدمت إلى الرأي العام: جبر ما لا يُجبر


إن النشر العلني للأسماء يشكل في حد ذاته عقوبة اجتماعية ومؤسسية سابقة لأوانها. إنه يُلحق ضررًا فوريًا وعميقًا بشرف الشخص، ويشوّه صورته وسمعته بصورة دائمة، ويصيب أسرته ومحيطه، ويمس كرامته الإنسانية.

أليس من المعيب على الدولة أن تُلقي بموظفيها إلى العلن؟ أليس من المُحزن لكل مواطن أن يرى موظفًا (أمينًا عامًا لوزارة) ضمن هذه القائمة المشينة يطلب الصفح من أسرته وأطفاله؟ صفح عن ماذا؟ ومن مَن؟ لم يُصنَّف أي فعل من هذه الأفعال كجريمة أو جنحة من طرف النيابة العامة، سواء بالنسبة إليه أو لغيره من المسؤولين، وقت إعلان الحكومة للقائمة. إن تصنيف الفعل هو المنشأ لكل محاكمة أو متابعة قضائية. وحتى تلك اللحظة، لا يتعلق الأمر إلا بأخطاء في التسيير (من اختصاص محكمة الحسابات)، أي مخالفة للتشريعات المالية والمحاسبية العامة، تعاقب بحجز الراتب السنوي أو جزء منه، وربما بإجراء إداري تأديبي عند الاقتضاء، لكن مطلقًا لا بعقوبة جنائية (كالحبس أو الغرامة) التي لا تملك صلاحية إصدارها إلا المحاكم الجزائية. فالجريمة لم تثبت بعد، وإنما هي مجرد شبهة، والشبهة لا تُعد برهانًا قاطعًا ويمكن دحضها بالأدلة المخالفة. ومع ذلك، فقد قُدمت القائمة إلى الجمهور على أنها قائمة فاسدين ومجرمين، وهو سلوك سيئ النية لا يليق بشرف من اؤتمنوا على الشأن العام وصورة الدولة.

في الفضاء الرقمي، يصبح هذا النوع من التشهير شبه غير قابل للمحو: فاللقطات والمشاركات والفهرسة تجعل النسيان مستحيلًا، حتى في حالة عدم المتابعة أو صدور البراءة النهائية. وبذلك تكون الدولة قد أنزلت، من خلال تواصلها الأسمائي المبكر، عقوبة غير معلنة، بلا أساس قانوني ولا مراقبة قضائية، في حين يُلزمها القانون بالتحفظ وإخفاء الهوية واحترام قرينة البراءة.

أما ردّ الفعل السياسي لمحاولة التملص من المسؤولية أمام الضغط الشعبي الناجم عن تقرير محكمة الحسابات، فلا يمكن أن يكون مبررًا لرمي أشخاص غير مدانين في العلن.
إن دولة القانون تستوجب التحفظ: إعلام دون وصم، شرح دون اتهام، وتصحيح دون تسمية «مذنبين» قبل الأوان.

قرينة البراءة ليست عبارة زخرفية؛ إنها تحمي الأرواح والأسر والمهن. تجاوزها بدعوى التهدئة الآنية هو تضحية بالضمانات الأساسية على مذبح الرأي العام، في حين أن الحقيقة لا تثبت إلا عبر قضاء مستقل وبعد محاكمة عادلة.

حين تتحول المعلومة إلى عقوبة: الدفاع عن الشرف في مواجهة التعسف
دستوريًا، تسري قرينة البراءة في كل النظام القانوني: لا يُقدَّم أحد على أنه مذنب قبل حكم نهائي. وهي متلازمة مع كرامة الإنسان وحماية الحياة الخاصة. فالدولة، بصفتها حارسة للمصلحة العامة، ملزمة بأن تضبط تواصلها وألا تنشر بيانات شخصية حساسة إلا عند الضرورة القصوى وبأساس قانوني واضح وضمانات كافية. الشفافية الإدارية لا تتقدم على الحقوق الأساسية، بل تمارس عبر ملخصات مجهولة الهوية، وإعلان عن المبالغ المسترجعة والإجراءات التصحيحية، دون التشهير بالأفراد قبل الحكم القضائي.

أما على مستوى قانون محكمة الحسابات، فإن القانون المنظم يحدد ثلاثة ركائز: الحكم في الحسابات، معاقبة أخطاء التسيير، ومساعدة السلطات العامة. وعندما تظهر وقائع ذات طابع جزائي محتمل، يُحال الملف من النيابة العامة لدى المحكمة إلى وزير العدل لتحريك الدعوى العمومية. وهذه الآلية قضائية محضة ولا تمنح السلطة التنفيذية أي حق في «التسمية والتشهير».

إن الغاية من الرقابة على المالية العامة هي تصحيح الاختلالات، ومساءلة المسؤولين، وعند الاقتضاء، تحريك المتابعة الجزائية. لكن كشف الأسماء قبل بدء الإجراءات القضائية النظامية يُعد انحرافًا عن تلك الغاية ويعرّض الدولة لخطأ مرفقي.

نشر الأسماء، انتهاك الحقوق: محاكمة الدولة
يُلزم قانون الإجراءات الجزائية بالتحفظ. فسرية التحقيق وحماية الشهود تَحظر أي تواصل اسمي غير ضروري ومبكر. وحتى عندما تكون المعلومات ذات مصلحة عامة، يجب عرضها بعبارات موضوعية غير قاطعة، دون إفصاح عن هوية الأشخاص إلى حين إضفاء الصبغة العلنية القانونية على القضية. قرينة البراءة ليست تزيينًا لغويًا: إنها تحدد شكل الخطاب العام ومضمونه، بما في ذلك خطاب الدولة نفسها.

كما يضبط القانون الجزائي التجاوزات الإعلامية: نسب الجرائم علنًا إلى أشخاص محددين بصورة تُفهم منها الإدانة يعتبر قذفًا علنيًا إذا مسّ الشرف والاعتبار. وإفشاء عناصر خاضعة لسرية التحقيق أو للسر المهني يعرض الفاعل للمساءلة الجزائية. حتى صدق المعلومة لا يبرر نشرها إن خالفت السرية القانونية أو قرينة البراءة أو صدرت دون سند قانوني أو ضرورة.

ويضاف إلى ذلك حماية البيانات الشخصية. نشر قائمة اسمية تربط أفرادًا بـ«شبهات مخالفات» يُعد معالجةً لبيانات حساسة. وبغياب الأساس القانوني والغاية المحددة والضرورة الصارمة، تكون المعالجة غير مشروعة، وتتحمل الإدارة مسؤوليتها عن ذلك، بما في ذلك السحب، التصحيح، الإخطار، وربما العقوبات الإدارية والتعويض المدني.

 

الفضح ليس حكمًا: محاكمة الدولة، حماية الحقوق

إن عدم قانونية النشر الاسمي لتلك الأسماء الثلاثين تظهر في أربعة أوجه:
أولًا، انعدام الأساس القانوني؛ فلا نص يمنح السلطة التنفيذية سلطة نشر الهويات التي تحيلها محكمة الحسابات لأغراض قضائية.
ثانيًا، المساس الواضح بقرينة البراءة؛ فمجرد وصف الأشخاص بـ«المشتبه بهم» لا يعفي من المسؤولية ما دام العرض العام يُفهم كإدانة.
ثالثًا، خرق سرية الإجراءات حين تسبق الاتصالات الإعلامية أعمال القضاء.
رابعًا، انعدام التناسب؛ فهدف الشفافية يمكن تحقيقه بوسائل أقل مساسًا، مثل إخفاء الهوية ونشر بيانات إجمالية.

مقاضاة الدولة: السبل والوسائل

الاستراتيجية القضائية للمتضررين ماديًا ومعنويًا يجب أن تكون فورية ومنسقة.
في المقام الأول، يمكن اللجوء إلى قاضي الأمور المستعجلة لوقف الضرر الجسيم الواضح: سحب القوائم فورًا، إزالة الأرشفة الرقمية، نشر بيان تصحيحي يذكّر بقرينة البراءة، وذلك تحت طائلة الغرامة التهديدية. الأساس القانوني هو المساس الجسيم وغير المشروع بالحريات الأساسية، وغياب النص القانوني الواضح، وانعدام التناسب. وتُبنى الدعوى بإثباتات رقمية مؤرخة تُظهر الضرر الفعلي (فقدان وظيفة، إنهاء عقود، مساس بالسمعة).

أما في الأصل، فدعوى المسؤولية الإدارية الكاملة تمكّن من إدانة الدولة عن خطأ مرفقي وتعويض الأضرار كاملة: الضرر المعنوي (المساس بالشرف، القلق، المعاناة)، والضرر المادي (الفرص الضائعة، فسخ العقود، فقدان الدخل)، مع توثيق الأضرار بتقارير وشهادات وخبرات محاسبية. والعمل الجماعي للثلاثين شخصًا المتضررين، استنادًا إلى وقائع مشتركة، يعزز متانة الملف ويخفض التكاليف.

ويمكن النظر أيضًا في دعاوى جزائية موازية عند توفر الأدلة: شكوى بحق مجهول مع الادعاء المدني من أجل القذف أو خرق السرية القانونية. الهدف ليس العقاب المفرط، بل إعادة الاعتبار للقانون وتذكير الدولة بأن خطابها خاضع هو الآخر للقواعد الحامية للأفراد. وبالتوازي، يمكن رفع شكوى لدى هيئة حماية البيانات للمطالبة بإلزام الإدارة بالامتثال، وحذف المعالجة، وفرض الغرامات، وإخطار كل من تسلم الملف محل النزاع.

مواجهة دفاع الدولة: لا شفافية ولا مصلحة عامة
ستستند الدولة إلى «الشفافية» و«المصلحة العامة». غير أن الرد يقوم على ركيزتين: التناسب وإخفاء الهوية. فالشفافية لا تبرر المساس بالأسماء طالما يمكن بلوغ الغاية نفسها بوسائل أقل ضررًا. ودقة المعلومة لا تُبطل عدم مشروعيتها إذا انتهكت قرينة البراءة أو الأسرار القانونية. والمصلحة العامة الحقيقية تتحقق بإعلان النتائج (المبالغ المستردة، الإصلاحات المُقرة، العقوبات الإدارية)، وليس بفضح أشخاص لم يُحاكموا بعد.

يُستحسن إذًا اتباع خطوات محددة:

الخطوة الأولى، تشكيل مجموعة الدفاع وتوكيل المحامين وجمع الأدلة الرقمية وتقدير الأضرار الأولي.
الخطوة الثانية، رفع الدعوى المستعجلة للمطالبة بالسحب الفوري وإزالة الأرشفة ونشر البيان التصحيحي.
الخطوة الثالثة، رفع دعوى المسؤولية بطلب التعويض المفصل ونشر التصحيح قضائيًا عبر نفس القنوات وللمدة نفسها.
الخطوة الرابعة، عند الاقتضاء، تقديم الشكاوى الجزائية المباشرة وإرفاقها بالدفاع الدستوري ضد أي تأويل خاطئ للنصوص القائمة.

خلاصة القول، إن المسألة تتجاوز النزاع إلى الأخلاق والمؤسسات. فالرقابة المالية ومحاربة الفساد تتطلب الصرامة والاستقلالية والتنوير، لكن دولة القانون تفرض أن تبقى الشفافية منسجمة مع الحقوق الأساسية: قرينة البراءة، السمعة، الحياة الخاصة، وسلامة الإجراءات.
ومقاضاة الدولة عند تجاوز هذه الحدود ليست عداءً للدولة ولا عائقًا للنزاهة، بل شرط الثقة في المؤسسات.
فانتصار قضائي في هذا السياق سيفتح الباب أمام قواعد تواصل مسؤولة: إخفاء الهوية كأصل، مراجعة قانونية إلزامية، تدريب الناطقين الرسميين، والفصل الصارم بين الرقابة المالية والمتابعة التأديبية والإعلام العام.
ذاك هو الألف والياء لكل حوكمة رشيدة في دولة تحترم شعبها وتُصون كرامة موظفيها حين يُحاكمون.

الأستاذ علي مصطفى

 

طالع المقال »