الجمعة، أفريل 10، 2026

رسالة مفتوحة إلى مواطنيّ الموريتانيين في تونس - لأستاذ أعلي مصطفى


أيها المواطنون الأعزاء،

أكتب إليكم بشعور عميق من المسؤولية، حاملاً في قلبي كل مودة صادقة وإخلاص حقيقي. فمنذ سنوات السبعينيات ونجن نرافق دون انقطاع الأجيال المتعاقبة من الموريتانيين الذين اختاروا تونس أرضاً للدراسة والعمل وتحقيق الذات، وسنظل أوفياء لهذا العهد بالتزام وإخلاص لا يتزعزعان.

تجمع تونس بموريتانيا روابط من عمق نادر. فمنذ استقلال بلادنا، كانت تونس، بثبات مثالي، منارةً للأخوة العرب والأفريقة، مانحةً مواطنينا ظروف استقبال وإقامة لا مثيل لها. وهذه الضيافة الكريمة ليست محض مصادفة، بل هي ثمرة علاقة ثنائية متينة شُيِّدت على أسس الاحترام المتبادل والتضامن المغاربي والمصير المشترك لشعبينا. وإن صون هذه العلاقة والحرص عليها لهو من صميم شرفنا الجماعي.

ومن هذا المنطلق الأخوي الرشيد، وبكل الصراحة التي تفرضها مسؤوليتي بوصفي رجل قانون وعميداً، لا بد لي من أن أتناول واقعةً ملحوظة: إذ وجد بعض مواطنينا أنفسهم مؤخراً في أوضاع تنطوي على مخالفات قانونية، أو تعرضوا لإنذارات رسمية في ضوء التشريع التونسي النافذ. وأؤكد بكل حزم أن هذه الحالات تبقى استثنائية ومعزولة، ولا يمكن بأي حال أن تمسّ صورة جاليتنا التي يعيش أبناؤها في غالبيتهم الساحقة بكرامة واجتهاد واحترام تام للقوانين. هؤلاء لا يمثلوننا، ولا يمثلون موريتانيا.

وبوصفي رجلاً قانونياً، يقع على عاتقي تذكيركم بالأحكام القانونية الجوهرية التي تنظم إقامتكم على الأراضي التونسية، حتى لا يتخذ أحد من الجهل حجةً له.

يُمثّل القانون عدد 68-7 المؤرخ في 8 مارس 1968 المتعلق بأوضاع الأجانب في تونس النص القانوني المرجعي الأساسي في هذا الباب. وأحكامه الجزائية صريحة لا تحتمل التأويل. فالفصل 23 ينص على أن كل أجنبي يدخل الأراضي التونسية أو يغادرها دون استيفاء الشروط القانونية المقررة، أو يُهمل التقدم بطلب تأشيرة الإقامة أو بطاقة الإقامة في الأجل القانوني، يُعرّض نفسه لعقوبة السجن من شهر إلى سنة وغرامة مالية. وأشد من ذلك ما نصّ عليه الفصل 24 من السجن من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات بحق كل أجنبي يقدم وثائق مزورة أو يدلي بمعلومات كاذبة إخفاءً لهويته أو مهنته أو جنسيته.

ومما ينبغي معرفته أن كل أجنبي يقيم في تونس ما لا يقل عن ثلاثة أشهر متواصلة أو ستة أشهر متفرقة خلال سنة واحدة يُعدّ مقيماً ويصبح ملزماً بالحصول على بطاقة إقامة. وكل تجاوز غير مُسوَّى يُعرّض صاحبه للترحيل والسجن، فضلاً عن غرامات تأخير بواقع 20 ديناراً أسبوعياً في حدود سقف قدره 3000 دينار المعمول به منذ سنة 2017. يُضاف إلى ذلك أن الفصل 8 من القانون ذاته يحظر صراحةً على كل أجنبي مزاولة أي نشاط مأجور في تونس دون الحصول على إذن مسبق من السلطة المختصة.

وثمة حكم يجهله كثيرون يستوجب الانتباه الشديد: إذ يُلزم الفصل 21 كل شخص - سواء أكان صديقاً أم قريباً - يُسكن أجنبياً في مسكنه بإخطار مركز الشرطة أو الحرس الوطني المختص في غضون 48 ساعة، وإلا تعرض لعقوبات جزائية. فضلاً عن ذلك، تشير المعطيات الراهنة إلى أن مشاريع تعديل تشريعية قيد الدراسة أمام مجلس نواب الشعب تتجه نحو تشديد هذه العقوبات، بحيث ترتفع أحكام السجن في حالات الدخول أو الخروج غير النظامي إلى ما بين سنة وثلاث سنوات، وتصل الغرامات المالية إلى 5000 دينار.

وإزاء هذه الحقائق القانونية، وانطلاقاً من القاعدة الفقهية الراسخة "لا يُعذَر أحد بجهل القانون"  أضع مجاناً إستشارتي القانونية في خدمة جميع الموريتانيين المقيمين في تونس. فلكل من تعتريه تساؤلات تتعلق بإقامته أو وضعه الإداري أو نشاطه المهني، أو أي إشكالية قانونية تُقلقه، أدعوه إلى مراسلتي مباشرة، متعهداً بتزويده بالمعلومة القانونية الضرورية أو توجيهه نحو المؤسسة العمومية أو الخاصة الأجدر بمساعدته.

 lawistrust@gmail.com

هذه المبادرة امتداد طبيعي لمسيرة مديدة في مرافقة مواطنينا على هذه الأرض التونسية الكريمة. وغايتها تعزيز حضورنا في تونس في إطار من الأخوة الصادقة والمشروعية والأدب الرفيع والاحترام العميق للبلد الذي يحتضننا.
 
معاً، لنواصل تكريس الثقة المتبادلة التي تجمع بلدينا وترسيخها، وهي ثقة تمتد جذورها عبر عقود من الزمن.

وتفضلوا بقبول فائق التقدير والاحترام الأخوي،

الأستاذ  أعلي مصطفى
عميد الأساتذة الجامعيين الموريتانيين في تونس

 

طالع المقال »

الثلاثاء، مارس 31، 2026

المعارضة: حوار الازدراء وازدراء الحوار - بقلم: أ. علي مصطفى


أمر لا يُصدق! لا تزال المعارضة تطمح في الحوار... بل إن بعض أقطابها يعرضون على غزواني مواضيع للنقاش، ويرسمون له "خارطة طريق"! إن معارضة كهذه، تماماً كأرقامها في صناديق الاقتراع، تملك ذاكرة قصيرة المدى.

أما بالنسبة للمواطن الموريتاني البسيط الذي منح صوته لهذه المعارضة، فإن الأمر ليس سوى كابوس؛ إذ أدرك أخيراً (ربما بعد فوات الأوان!) أنه لم تكن هناك قط معارضة حقيقية. وحتى إن وُجد "نفسٌ" معارض ذات يوم، فقد باع قادته أرواحهم وأرواح أنصارهم في مزادات "الحوارات" و"التشاورات" التي امتصت طاقتها منذ الانقلابات العسكرية المتتالية، وأثارت الانقسامات في صفوفها، واختزلتها في مجرد حقيبة من المشاورات تلوح بها لأول ممسك بزمام السلطة، ولو رغماً عنها.

في الواقع، وبعيداً عن الحجج التي تتكرر مع كل مأمورية حول "السلم الاجتماعي" و"الوفاق" -وهي الشعارات التي تُسيل لعاب المعارضة لعقود- هناك حقيقة ديمقراطية ثابتة يبنى عليها توازن القوى وممارسة السلطة، وهي: "المعارضة التي تحاور ليست معارضة".

إن المعارضة التي تنخرط في "الحوار" هي معارضة تخون روح اللعبة الحزبية التي هي عماد الديمقراطية؛ فهي تدمر جوهر العمل السياسي المتمثل في كونه سلطة مضادة تهدف إلى التوجيه والتأثير، ثم الوصول إلى السلطة إن أمكن، من خلال تقديم بدائل جديدة ومسارات ممكنة، مستفيدة من تجارب وإخفاقات السلطة القائمة.

إن معارضة اليوم ليست سوى انعكاس باهت لما يجب أن تكون عليه المعارضة في دولة ديمقراطية.

المعارضة التي تحاور ليست معارضة.

سمّوها ما شئتم: مجاورة، أو موازاة، أو تبادلاً، أو انقلاباً في المواقف... لكن لا تسمّوها معارضة. فهذه المعارضة التي تهرول خلف الحوار مع السلطة هي أسوأ ما يمكن أن تُبتلى به موريتانيا. وإن الوقوف في وجه هذه "المعارضة" هو الواجب الأول لكل مواطن حريص على المستقبل السياسي لبلده.

ماذا يجب أن يكون سلوك معارضة جديرة بهذا الاسم؟

المعارضة الحقيقية هي التي تنظم صفوفها، وتحشد مواردها المادية والمالية، وتعد برنامجها السياسي وتنشره، وتلتقي بمناضليها، وتنسج التحالفات، وتستنفد طاقتها في حشد رأي عام موالٍ لها؛ بعبارة أخرى: تُعد بعدة نضالية لمشاركتها في الانتخابات القادمة.

أما المعارضة التي تكتفي بالتحديق في السلطة بانتظار إشارة من صاحبها، فليست سوى وعاء للبؤس الحزبي، تمد قصعتها لتتلقى فُتات حوار صار هو كل برنامجها.

إن واجب كل موريتاني هو ألا ينطوي تحت لواء هذه المعارضة، بل أن يفر منها فراره من الطاعون المؤسسي. فإذا كان الشعب قد دُست كرامته واستُلبَت سلطته، فذلك كان - ولا يزال - بسبب هذه المعارضة تحديداً.

تاريخياً، دعونا نتذكر...

ظلت المعارضة تقتات على أطلال "اتفاق داكار" الذي وُلد ميتاً، متوهمة أن لها ثقلاً في مؤسسات الدولة يخولها انتزاع تنازلات من "عزيز"، لكنها أخطأت ولا تزال تخطئ. إنها تطالب برد مكتوب، بل والتزام مكتوب من "عزيز" حول نقاط الخلاف وشروط الحوار... إنها "معارضة المضحكات".

لم يطلب "عزيز" رأي المعارضة حين استولى على السلطة بالقوة، ولم يطلب منها إذناً حين "شَرْعَنَ" نفسه عبر صناديق الاقتراع. "عزيز" كان يدرك تماماً أن المعارضة لا تُجدي نفعاً بالنسبة له.

ما خدم "عزيز" حقاً هو استمرار المعارضة في التلهف للحوار ككلب ينتظر عظمة. لقد كان الحوار بالنسبة له أداة "ميكافيلية"؛ يشهرها حين تدفعه سوء نيته لذلك، ويسحبها كلما صدقت المعارضة اللعبة.

هذه المعارضة تخدم أجندة السلطة، وهنا مكمن خطرها. فهي تتكون - ما عدى البعض المنزوين عن السلطة - من مجموعات من الأتباع الذين يشكلون "حلقة وصل" مع السلطة؛ وهم أنفسهم "المقابض" التي تستخدمها السلطة لاستدراج المعارضة وإغوائها.

تتألف هذه "المقابض" من قيادات أكلها الحقد لفقدان السلطة ولم تعد تعرف سبيلاً للعودة إليها، ومن أفراد يساومون بمواقفهم مقابل فتات المناصب، ويثيرون داخل المعارضة نوعاً من "هوس الحوار" الذي لا يخلو من هذيان المصالح المادية.

وفي المحصلة، تظل هذه المعارضة المهتمة بالحوار هي الضحية والمخدوعة في آن واحد.

دعونا نتذكر أن المعارضة هي المسؤول الأول عما آلت إليه أوضاع البلاد. فإذا كان ولد عبد العزيزمكث في السلطة ، فبسبب المعارضة. لذا، فليس "لمعارضة يوليوز" إلا ما حصدت يداها.

إن هذه المعارضة التي هرعت للتفاوض في داكار على تسليم رئيس منتخب، لا تنال اليوم إلا ما تستحقه. ففي موريتانيا، ليس للشعب الحكام الذين يستحقهم فحسب، بل له أيضاً المعارضة التي يستحقها. وبسبب هذه المعارضة، وانقساماتها الداخلية، وانتهازيتها، وسباقها المشتت نحو الرئاسة في الانتخابات الماضية، تُحكم البلاد بهذه الطريقة.

المعارضة التي تحاور لتكريس زورها، ليست معارضة.

ما الذي حدث لتصل المعارضة إلى ما هي عليه اليوم؟ ببساطة: لم تستخلص العبر من الماضي السياسي القريب للبلاد.

أولاً: المعارضة أو التدمير النفسي (دروس الماضي)

في عام 2005، لم تكن هناك استراتيجية أكثر بريقاً وخبثاً من تلك التي قوضت المعارضة وسلبتها فوزها في الانتخابات الرئاسية والتشريعية. لقد قرر القائمون على المرحلة الانتقالية تلغيم المعارضة وتحجيمها عبر استراتيجية "التشاور" التي أوقعت في "الفخ" أولئك الذين كان بإمكانهم قلب الموازين. قرر "ثعالب" المرحلة الانتقالية، المتمرسون في الحلول الوسط الزائفة، تحييد معارضة كانت تملك عشية 3 أغسطس 2005 قوة وشرعية يخشونها أكثر من أي شيء آخر.

كان يكفي ألا تعترف المعارضة بالانقلاب، وأن تتشبث بمكاسبها التاريخية، وتضرب بيد من حديد لتجبر من خططوا للانتقال لأهداف مبيتة على التراجع. لكن ذلك لم يحدث، لأن ثعالب المرحلة الانتقالية سارعوا لتحديد "كعب أخيل" المعارضة في شخص قادتها، ولا سيما أحمد ولد داداه.

تأكد لهم ذلك حين كان ولد داداه أول المعترفين بالانقلاب وبدوره في الديمقراطية، فأصبح بذلك "المحاور" الذي سيُستخدم كحصان طروادة لزعزعة استقرار المعارضة. كانت طيبة نية أحمد ولد داداه لا يضاهيها إلا سوء نية من سيستخدمونه رغماً عنه. ومن هنا بدأ العمل على "التآكل النفسي" كقلعة محاصرة.

خلال الأشهر الأولى، كانوا يستشيرونه ويداهنون كبرياءه، فآتت الخطة ثمارها النفسية: اقتنع زعيم "تكتل القوى الديمقراطية" بصدق نية العسكريين في تسليم السلطة للمعارضة ديمقراطياً. ومن خلال سياسة "الترويض" هذه، حققوا أمرين:

  1. التحصين: تمرير المرحلة الانتقالية بهدوء حتى نهايتها وتطبيق خطتهم الاستراتيجية.

  2. التحييد: تطويع المعارضة عبر أحد أبرز قادتها حتى أُنهِكت تماماً.

لقد تجلى هذا الوضع في الأفكار التي طرحها ولد داداه في تصريحه الشهير حول "عدم تصفية الحسابات"، وهو ما ردده إعلي ولد محمد فال في سبتمبر 2005. وفي 7 سبتمبر 2005، صرح داداه للوكالة الموريتانية للأنباء: "لدي ثقة، وبكل موضوعية، في مشروع المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية".

لقد أصبح كما أراد له المجلس العسكري: "حلقة وصل" مع المعارضة عبر الإيقاع بها في فخ الحوار والتشاور الذي سيكون قاتلاً لكل أطيافها.

وهكذا أُغلقت الدائرة؛ أصبح ولد داداه هو "الطعم" الذي يُلوح له بآلاف النوايا الحسنة التي يغذي بها آماله في التغيير. لقد استخدم العسكريون استراتيجية "نفسية عسكرية" تعتمد تقنيات زعزعة استقرار الخصم عبر "التخدير بالتشاور"، وهي تشبه تماماً ما استُخدم في المكسيك: زرع البلبلة والانقسام للوصول إلى أهداف التفكيك.

وحين أدرك ولد داداه أخيراً أنه ليس المحاور الوحيد، وأن السلطة تلعب لعبتها الخاصة، حاول التراجع وندد بـ "انحراف" المجلس العسكري (خاصة بعد ظهور ولد الشيخ عبد الله كمرشح مفضل في يوليو 2006)، لكن الرياح كانت قد مالت بالفعل، وكانت استراتيجية المجلس قد وصلت ذروتها.

ثانياً: على المعارضة الرد على التدمير النفسي (إعادة النظر في كل شيء)

من المسلم به منذ عام 2005 أن الأنظمة المتعاقبة تستخدم "الحوار" والتشاور لتحييد المعارضة وكسب الوقت. كسب الوقت للتمكن سياسياً وتعزيز القواعد الاقتصادية والمالية.

  • التمكن سياسياً: تجلى في إنشاء "حزب الرئيس" الضخم لإضعاف المعارضة. وكان رد المعارضة على هذا الخطر؟ "التشاور"!

  • تعزيز القواعد المالية: بدأت تصفية المؤسسات العمومية "لإنعاش" خزينة الدولة، دون معرفة مصير تلك الأموال. ورد المعارضة؟ "التشاور"!

وماذا أنتج هذا التشاور؟ مؤتمر صحفي وتنديد في الصحف! هل أثر ذلك على سياسة الحكومة؟ أبداً! السلطة تتشاور مع المعارضة لكنها لا تستمع إليها.

لذا، هل هذه معارضة لها ثقل؟ معارضة تتشبث بالتشاور وكأنها "غرفة انتظار" للسلطة؟ لا، إن الشعب لا يريد هذه المعارضة! إنها غير فعالة، مخدرة بحوار زائف، ومختزلة في: سلطة مضادة لا تضاد شيئاً.

ما هي الحلول؟

يجب على المعارضة أن تستفيق. عليها مغادرة مسار "التشاور" و"الحوار" فوراً، والتخلي عن مؤسسة "زعيم المعارضة"، والدخول... في المعارضة الحقيقية!

عليها تبني رؤيتها الخاصة للمشكلات، ووضع استراتيجيتها للضغط على الحكومة لإجبارها على النقاش والانصياع إن لزم الأمر.

الاستراتيجية المطلوبة:

  • الانفصال عن فلك السلطات العمومية ومنح المعارضة استقلاليتها (لا زعيم، لا تشاور).

  • استخدام الوسائل القانونية للاحتجاج: إضرابات محدودة أو شاملة، تنبيه الرأي العام الوطني والدولي.

  • إشراك الكفاءات والقوى الفكرية للمعارضة لنقد السياسات (اجتماعياً، واقتصادياً، ومالياً) ونشر ذلك في الكتب والمؤتمرات للتأثير على النظام.

  • تنظيم المهرجانات والاعتصامات الاحتجاجية.

  • اكتساح المنابر الإعلامية الوطنية والدولية.

باختصار: أن تكون قوة سياسية حقيقية تعمل دون مداهنة وبوسائل المعارضة الفعلية.

عسى أن تفهم المعارضة ذلك، وإلا فقد قضي عليها؛ وستبقى مجرد واجهة لسياسة تتقوى يوماً بعد يوم. وحينها، لن يكون الوقت بعيداً قبل أن تُجبر على الخضوع أو الاختفاء. ففي السياسة، المعارضة التي لا تؤدي دورها ليست خيانة لمن تمثلهم فحسب، بل هي أكبر تهديد لدولة القانون.

الأمل الوحيد المتبقي هو أن يفي الرئيس الحالي غزواني بوعوده والتزاماته التي قدمها للمعارضة لتهدئتها. لكن إذا تحقق ذلك، فسيكسب غزواني مصداقية متزايدة، وحينها ستصبح جدوى المعارضة تتناسب عكسياً مع هذه المصداقية.

"إن الكرامة تمر عبر الشعور بالجدوى".

ا.علي مصطفى

طالع المقال »

الأربعاء، جانفي 28، 2026

في كرامة الأستاذ الموريتاني : عندما تُهان النخبة في عقر دارها. بقلم أ. أحمد علي مصطفى

في الوقت الذي تراهن فيه الأمم الناهضة على التعليم كقاطرة للتنمية، وتضع المعلم والأستاذ الجامعي في أعلى مراتب التقدير الاجتماعي والمادي، يبدو أن المشهد في موريتانيا يسير في اتجاه معاكس ومقلق. لم يعد الحديث عن "تهميش" الأستاذ مجرد شعارات استهلالية في الخطابات النقابية، بل تحول إلى واقع ملموس وموثق، ولعل البيان الصادر عن المكتب التنفيذي للنقابة الوطنية للتعليم العالي (SNESUP) بتاريخ 28 يناير 2026، يشكل أحدث وأصدق دليل على الدرك الذي انحدرت إليه معاملة "بناة الأجيال".

المحكمة الصورية.. والمحاكمة الحقيقية للقيم

إن ما كشفته الوثيقة النقابية الصادرة عقب أحداث "المحكمة الصورية" بكلية العلوم القانونية والسياسية، يحمل مفارقة مؤلمة وموجعة. ففي رحاب كلية تُعنى بتدريس القانون والعدالة، وأثناء نشاط يفترض أن يرسخ قيم الاحترام والمرافعات الراقية، تعرض نقيب أساتذة التعليم العالي ونخبة من الأساتذة للإساءة. إن الحادثة، كما يصفها البيان، لم تكن مجرد سوء فهم عابر، بل "تصرفاً غير لائق ينم عن مستوى مرفوض"، ومساساً بكرامة الأستاذ وإنزاله من "المنزلة اللائقة".

عندما يُهان الممثل الشرعي للأساتذة (النقيب) في محفل عام، فإن الإهانة لا تلحقه كشخص، بل هي صفعة موجهة للجسم الأكاديمي برمته، ورسالة سلبية مفادها أن الرمزية النقابية والعلمية لم تعد تشكل حصانة في وجه سياسات التهميش والاستهتار.

كرامة الأستاذ.. الخط الأحمر الذي تم تجاوزه

لقد رفع البيان شعار "كرامة الأستاذ خط أحمر"، وهو شعار يلخص جوهر الأزمة. إن المعاناة لم تعد تقتصر على المطالب المادية المشروعة - رغم أهميتها وإلحاحها كما ورد في البند الثالث من البيان الذي يطالب بالتعامل بجدية مع العريضة المطلبية - بل تجاوزتها إلى "الحقوق المعنوية" و"هيبة الأستاذ الجامعي".

إن الوثيقة المرفقة تضعنا أمام حقيقة صادمة: هناك "سياسة تهميش" ممنهجة، وهناك استسهال في النيل من القامات العلمية. وإذا كانت النقابة قد أبدت مرونة سابقاً وفضلت "خيار الشراكة والحوار"، فإن هذا البيان يأتي ليؤكد أن الصبر قد نفد، وأن التهاون في الكرامة هو انتحار مهني وأخلاقي لا يمكن القبول به.

الدعوة للمحاسبة.. صرخة لاستعادة الهيبة

إن مطالبة النقابة في بيانها بـ "الاعتذار" و"محاسبة المسؤولين" وضمان "عدم التكرار"، ليست مجرد رد فعل انفعالي، بل هي محاولة أخيرة لترميم ما تبقى من هيبة الحرم الجامعي. فغياب المحاسبة يعني تشريع الباب أمام المزيد من التجاوزات، وتحويل الجامعة من فضاء للعلم والاحترام المتبادل إلى ساحة للصراعات وتصفية الحسابات الضيقة التي لا تليق بمقام العلماء.

 قضية وطن لا قضية فئة

إن ما حدث في كلية العلوم القانونية والسياسية، وما وثقه هذا البيان، هو جرس إنذار للدولة والمجتمع الموريتاني. إن الأستاذ المهان لا يمكنه أن يربي جيلاً عزيز النفس، والأستاذ المهمش لا يمكنه أن يقود قاطرة البحث العلمي والإبداع.

إن التضامن مع ما ورد في بيان النقابة الوطنية للتعليم العالي ليس انحيازاً لفئة مهنية، بل هو انحياز لمستقبل موريتانيا. فالتعليم العالي هو "الرأس" الذي يفكر به المجتمع، وإذا أصيب الرأس بالصداع أو تعرض للضرب، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. حان الوقت لرفع اليد عن كرامة الأستاذ، والاستجابة الجادة للعريضة المطلبية، قبل أن نجد أنفسنا أمام صرح تعليمي خاوٍ من الروح، تسكنه الأجساد وتغادره العقول والكرامة.

 أ. أحمد علي مصطفى

 

 

طالع المقال »