الثلاثاء، مارس 31، 2026

المعارضة: حوار الازدراء وازدراء الحوار - بقلم: أ. علي مصطفى


أمر لا يُصدق! لا تزال المعارضة تطمح في الحوار... بل إن بعض أقطابها يعرضون على غزواني مواضيع للنقاش، ويرسمون له "خارطة طريق"! إن معارضة كهذه، تماماً كأرقامها في صناديق الاقتراع، تملك ذاكرة قصيرة المدى.

أما بالنسبة للمواطن الموريتاني البسيط الذي منح صوته لهذه المعارضة، فإن الأمر ليس سوى كابوس؛ إذ أدرك أخيراً (ربما بعد فوات الأوان!) أنه لم تكن هناك قط معارضة حقيقية. وحتى إن وُجد "نفسٌ" معارض ذات يوم، فقد باع قادته أرواحهم وأرواح أنصارهم في مزادات "الحوارات" و"التشاورات" التي امتصت طاقتها منذ الانقلابات العسكرية المتتالية، وأثارت الانقسامات في صفوفها، واختزلتها في مجرد حقيبة من المشاورات تلوح بها لأول ممسك بزمام السلطة، ولو رغماً عنها.

في الواقع، وبعيداً عن الحجج التي تتكرر مع كل مأمورية حول "السلم الاجتماعي" و"الوفاق" -وهي الشعارات التي تُسيل لعاب المعارضة لعقود- هناك حقيقة ديمقراطية ثابتة يبنى عليها توازن القوى وممارسة السلطة، وهي: "المعارضة التي تحاور ليست معارضة".

إن المعارضة التي تنخرط في "الحوار" هي معارضة تخون روح اللعبة الحزبية التي هي عماد الديمقراطية؛ فهي تدمر جوهر العمل السياسي المتمثل في كونه سلطة مضادة تهدف إلى التوجيه والتأثير، ثم الوصول إلى السلطة إن أمكن، من خلال تقديم بدائل جديدة ومسارات ممكنة، مستفيدة من تجارب وإخفاقات السلطة القائمة.

إن معارضة اليوم ليست سوى انعكاس باهت لما يجب أن تكون عليه المعارضة في دولة ديمقراطية.

المعارضة التي تحاور ليست معارضة.

سمّوها ما شئتم: مجاورة، أو موازاة، أو تبادلاً، أو انقلاباً في المواقف... لكن لا تسمّوها معارضة. فهذه المعارضة التي تهرول خلف الحوار مع السلطة هي أسوأ ما يمكن أن تُبتلى به موريتانيا. وإن الوقوف في وجه هذه "المعارضة" هو الواجب الأول لكل مواطن حريص على المستقبل السياسي لبلده.

ماذا يجب أن يكون سلوك معارضة جديرة بهذا الاسم؟

المعارضة الحقيقية هي التي تنظم صفوفها، وتحشد مواردها المادية والمالية، وتعد برنامجها السياسي وتنشره، وتلتقي بمناضليها، وتنسج التحالفات، وتستنفد طاقتها في حشد رأي عام موالٍ لها؛ بعبارة أخرى: تُعد بعدة نضالية لمشاركتها في الانتخابات القادمة.

أما المعارضة التي تكتفي بالتحديق في السلطة بانتظار إشارة من صاحبها، فليست سوى وعاء للبؤس الحزبي، تمد قصعتها لتتلقى فُتات حوار صار هو كل برنامجها.

إن واجب كل موريتاني هو ألا ينطوي تحت لواء هذه المعارضة، بل أن يفر منها فراره من الطاعون المؤسسي. فإذا كان الشعب قد دُست كرامته واستُلبَت سلطته، فذلك كان - ولا يزال - بسبب هذه المعارضة تحديداً.

تاريخياً، دعونا نتذكر...

ظلت المعارضة تقتات على أطلال "اتفاق داكار" الذي وُلد ميتاً، متوهمة أن لها ثقلاً في مؤسسات الدولة يخولها انتزاع تنازلات من "عزيز"، لكنها أخطأت ولا تزال تخطئ. إنها تطالب برد مكتوب، بل والتزام مكتوب من "عزيز" حول نقاط الخلاف وشروط الحوار... إنها "معارضة المضحكات".

لم يطلب "عزيز" رأي المعارضة حين استولى على السلطة بالقوة، ولم يطلب منها إذناً حين "شَرْعَنَ" نفسه عبر صناديق الاقتراع. "عزيز" كان يدرك تماماً أن المعارضة لا تُجدي نفعاً بالنسبة له.

ما خدم "عزيز" حقاً هو استمرار المعارضة في التلهف للحوار ككلب ينتظر عظمة. لقد كان الحوار بالنسبة له أداة "ميكافيلية"؛ يشهرها حين تدفعه سوء نيته لذلك، ويسحبها كلما صدقت المعارضة اللعبة.

هذه المعارضة تخدم أجندة السلطة، وهنا مكمن خطرها. فهي تتكون - ما عدى البعض المنزوين عن السلطة - من مجموعات من الأتباع الذين يشكلون "حلقة وصل" مع السلطة؛ وهم أنفسهم "المقابض" التي تستخدمها السلطة لاستدراج المعارضة وإغوائها.

تتألف هذه "المقابض" من قيادات أكلها الحقد لفقدان السلطة ولم تعد تعرف سبيلاً للعودة إليها، ومن أفراد يساومون بمواقفهم مقابل فتات المناصب، ويثيرون داخل المعارضة نوعاً من "هوس الحوار" الذي لا يخلو من هذيان المصالح المادية.

وفي المحصلة، تظل هذه المعارضة المهتمة بالحوار هي الضحية والمخدوعة في آن واحد.

دعونا نتذكر أن المعارضة هي المسؤول الأول عما آلت إليه أوضاع البلاد. فإذا كان ولد عبد العزيزمكث في السلطة ، فبسبب المعارضة. لذا، فليس "لمعارضة يوليوز" إلا ما حصدت يداها.

إن هذه المعارضة التي هرعت للتفاوض في داكار على تسليم رئيس منتخب، لا تنال اليوم إلا ما تستحقه. ففي موريتانيا، ليس للشعب الحكام الذين يستحقهم فحسب، بل له أيضاً المعارضة التي يستحقها. وبسبب هذه المعارضة، وانقساماتها الداخلية، وانتهازيتها، وسباقها المشتت نحو الرئاسة في الانتخابات الماضية، تُحكم البلاد بهذه الطريقة.

المعارضة التي تحاور لتكريس زورها، ليست معارضة.

ما الذي حدث لتصل المعارضة إلى ما هي عليه اليوم؟ ببساطة: لم تستخلص العبر من الماضي السياسي القريب للبلاد.

أولاً: المعارضة أو التدمير النفسي (دروس الماضي)

في عام 2005، لم تكن هناك استراتيجية أكثر بريقاً وخبثاً من تلك التي قوضت المعارضة وسلبتها فوزها في الانتخابات الرئاسية والتشريعية. لقد قرر القائمون على المرحلة الانتقالية تلغيم المعارضة وتحجيمها عبر استراتيجية "التشاور" التي أوقعت في "الفخ" أولئك الذين كان بإمكانهم قلب الموازين. قرر "ثعالب" المرحلة الانتقالية، المتمرسون في الحلول الوسط الزائفة، تحييد معارضة كانت تملك عشية 3 أغسطس 2005 قوة وشرعية يخشونها أكثر من أي شيء آخر.

كان يكفي ألا تعترف المعارضة بالانقلاب، وأن تتشبث بمكاسبها التاريخية، وتضرب بيد من حديد لتجبر من خططوا للانتقال لأهداف مبيتة على التراجع. لكن ذلك لم يحدث، لأن ثعالب المرحلة الانتقالية سارعوا لتحديد "كعب أخيل" المعارضة في شخص قادتها، ولا سيما أحمد ولد داداه.

تأكد لهم ذلك حين كان ولد داداه أول المعترفين بالانقلاب وبدوره في الديمقراطية، فأصبح بذلك "المحاور" الذي سيُستخدم كحصان طروادة لزعزعة استقرار المعارضة. كانت طيبة نية أحمد ولد داداه لا يضاهيها إلا سوء نية من سيستخدمونه رغماً عنه. ومن هنا بدأ العمل على "التآكل النفسي" كقلعة محاصرة.

خلال الأشهر الأولى، كانوا يستشيرونه ويداهنون كبرياءه، فآتت الخطة ثمارها النفسية: اقتنع زعيم "تكتل القوى الديمقراطية" بصدق نية العسكريين في تسليم السلطة للمعارضة ديمقراطياً. ومن خلال سياسة "الترويض" هذه، حققوا أمرين:

  1. التحصين: تمرير المرحلة الانتقالية بهدوء حتى نهايتها وتطبيق خطتهم الاستراتيجية.

  2. التحييد: تطويع المعارضة عبر أحد أبرز قادتها حتى أُنهِكت تماماً.

لقد تجلى هذا الوضع في الأفكار التي طرحها ولد داداه في تصريحه الشهير حول "عدم تصفية الحسابات"، وهو ما ردده إعلي ولد محمد فال في سبتمبر 2005. وفي 7 سبتمبر 2005، صرح داداه للوكالة الموريتانية للأنباء: "لدي ثقة، وبكل موضوعية، في مشروع المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية".

لقد أصبح كما أراد له المجلس العسكري: "حلقة وصل" مع المعارضة عبر الإيقاع بها في فخ الحوار والتشاور الذي سيكون قاتلاً لكل أطيافها.

وهكذا أُغلقت الدائرة؛ أصبح ولد داداه هو "الطعم" الذي يُلوح له بآلاف النوايا الحسنة التي يغذي بها آماله في التغيير. لقد استخدم العسكريون استراتيجية "نفسية عسكرية" تعتمد تقنيات زعزعة استقرار الخصم عبر "التخدير بالتشاور"، وهي تشبه تماماً ما استُخدم في المكسيك: زرع البلبلة والانقسام للوصول إلى أهداف التفكيك.

وحين أدرك ولد داداه أخيراً أنه ليس المحاور الوحيد، وأن السلطة تلعب لعبتها الخاصة، حاول التراجع وندد بـ "انحراف" المجلس العسكري (خاصة بعد ظهور ولد الشيخ عبد الله كمرشح مفضل في يوليو 2006)، لكن الرياح كانت قد مالت بالفعل، وكانت استراتيجية المجلس قد وصلت ذروتها.

ثانياً: على المعارضة الرد على التدمير النفسي (إعادة النظر في كل شيء)

من المسلم به منذ عام 2005 أن الأنظمة المتعاقبة تستخدم "الحوار" والتشاور لتحييد المعارضة وكسب الوقت. كسب الوقت للتمكن سياسياً وتعزيز القواعد الاقتصادية والمالية.

  • التمكن سياسياً: تجلى في إنشاء "حزب الرئيس" الضخم لإضعاف المعارضة. وكان رد المعارضة على هذا الخطر؟ "التشاور"!

  • تعزيز القواعد المالية: بدأت تصفية المؤسسات العمومية "لإنعاش" خزينة الدولة، دون معرفة مصير تلك الأموال. ورد المعارضة؟ "التشاور"!

وماذا أنتج هذا التشاور؟ مؤتمر صحفي وتنديد في الصحف! هل أثر ذلك على سياسة الحكومة؟ أبداً! السلطة تتشاور مع المعارضة لكنها لا تستمع إليها.

لذا، هل هذه معارضة لها ثقل؟ معارضة تتشبث بالتشاور وكأنها "غرفة انتظار" للسلطة؟ لا، إن الشعب لا يريد هذه المعارضة! إنها غير فعالة، مخدرة بحوار زائف، ومختزلة في: سلطة مضادة لا تضاد شيئاً.

ما هي الحلول؟

يجب على المعارضة أن تستفيق. عليها مغادرة مسار "التشاور" و"الحوار" فوراً، والتخلي عن مؤسسة "زعيم المعارضة"، والدخول... في المعارضة الحقيقية!

عليها تبني رؤيتها الخاصة للمشكلات، ووضع استراتيجيتها للضغط على الحكومة لإجبارها على النقاش والانصياع إن لزم الأمر.

الاستراتيجية المطلوبة:

  • الانفصال عن فلك السلطات العمومية ومنح المعارضة استقلاليتها (لا زعيم، لا تشاور).

  • استخدام الوسائل القانونية للاحتجاج: إضرابات محدودة أو شاملة، تنبيه الرأي العام الوطني والدولي.

  • إشراك الكفاءات والقوى الفكرية للمعارضة لنقد السياسات (اجتماعياً، واقتصادياً، ومالياً) ونشر ذلك في الكتب والمؤتمرات للتأثير على النظام.

  • تنظيم المهرجانات والاعتصامات الاحتجاجية.

  • اكتساح المنابر الإعلامية الوطنية والدولية.

باختصار: أن تكون قوة سياسية حقيقية تعمل دون مداهنة وبوسائل المعارضة الفعلية.

عسى أن تفهم المعارضة ذلك، وإلا فقد قضي عليها؛ وستبقى مجرد واجهة لسياسة تتقوى يوماً بعد يوم. وحينها، لن يكون الوقت بعيداً قبل أن تُجبر على الخضوع أو الاختفاء. ففي السياسة، المعارضة التي لا تؤدي دورها ليست خيانة لمن تمثلهم فحسب، بل هي أكبر تهديد لدولة القانون.

الأمل الوحيد المتبقي هو أن يفي الرئيس الحالي غزواني بوعوده والتزاماته التي قدمها للمعارضة لتهدئتها. لكن إذا تحقق ذلك، فسيكسب غزواني مصداقية متزايدة، وحينها ستصبح جدوى المعارضة تتناسب عكسياً مع هذه المصداقية.

"إن الكرامة تمر عبر الشعور بالجدوى".

ا.علي مصطفى

0 التعليقات: