يُقدم هذا المقال تحليلاً قانونياً استشرافياً يستند إلى
المرسوم رقم 349-2019/PM المُحدِّد
لصلاحيات وزير المالية الموريتاني؛ حيث يخلص التحليل إلى أن أياً من أنظمة
المسؤولية (سواء كانت جنائية أو مدنية أو مالية أو سياسية) لا تتيح -بحكم طبيعتها-
إعفاءً تلقائياً وشاملاً لوزير المالية الذي ظل في منصبه طوال فترة الولاية
الرئاسية، وذلك في حال ثبوت ارتكاب مخالفات أو جرائم (جنائية أو مدنية أو مالية)
على مستوى قمة هرم الدولة عند انقضاء تلك الولاية.
لكل ولاية رئاسية نهاية. ولكل نهاية عهدة، في دولة
القانون، تُفتح الفترة التي يمكن خلالها طلب الحساب - لا انتقاما، بل لأن وظيفة القانون بالذات هي أن ينظّم، سلفا ولفائدة
الجميع، النتائج المترتبة على التسيير العمومي بعد انتهاء العهدة. والسؤال الذي
يُطرح فيما يلي لا يحتاج، لكي يُصاغ بكل الدقة المطلوبة، إلى أي واقعة محددة ولا
إلى أي شخص بعينه: فلو ثبتت، عند نهاية ولاية رئاسية، وقائع فساد أو اختلاس لأموال
عامة أو إثراء غير مشروع في أعلى هرم الدولة، فماذا يقول القانون عن وزير المالية
الذي بقي في منصبه طوال تلك العهدة؟ إن طرح هذا السؤال قبل وقوع مثل هذه الواقعة - لا بعدها - يشكّل ممارسة قانونية مشروعة
بذاتها: ذلك أن القانون الجنائي والإداري لا تكون له قوة ردع حقيقية إلا إذا كانت
نتائجه معروفة قبل الفعل، لا مكتشَفة بعده على إثر فضيحة. ولا يستهدف هذا التحليل،
ولا يسمي، ولا يتّهم أي شخص بعينه، سواء كان في منصبه حاليا أم لا - فالقانون الموريتاني، شأنه شأن كل نظام قائم على قرينة البراءة، يمنع ذلك
منعا صريحا، وسأعود إلى هذه النقطة بالتفصيل لاحقا. بل يبني هذا التحليل إطارا
عاما واستشرافيا، ينطبق على أي شخص يجد نفسه، عند نهاية أي ولاية رئاسية مقبلة، في
الوضعية الموصوفة، انطلاقا من نص واحد: المرسوم الذي يحدد، مادة مادة، ما يُفترض
قانونا أن يعرفه وزير المالية ويراقبه ويبلّغ عنه بحكم منصبه وحده - طوال العهدة، حتى نهايتها.
ثلاث جرائم، وثلاثة أساليب
إثبات مختلفة
قبل كل شيء، لا بد من التمييز بين ثلاثة أوصاف
جنائية كثيرا ما تختلط في اللغة العادية، بينما يفصل القانون بدقة بين أركانها
المكوّنة - أي ما يجب إثباته لكي تُعتمد.
فالفساد، إيجابيا كان (الرشو) أم سلبيا (الارتشاء)، يفترض اتفاقا بين عون عمومي
وطرف ثالث مقابل منفعة؛ وتوريط وزير في ذلك يفترض إثبات مشاركته في هذا الاتفاق أو
علمه به. أما اختلاس الأموال أو الممتلكات العامة فيفترض قيام شخص مؤتمن على
السلطة العامة بانتزاع أموال أو ممتلكات يحوزها بحكم منصبه؛ ويمكن أن يُنسب إلى
وزير المالية في هذا الشأن وصف الفاعل المشارك أو الشريك أو المُخفي - أي ذلك الذي يتولى، وهو عالم بالمصدر الاحتيالي لمال ما، حيازته أو تسييره
أو تحويله - إذا كانت الأموال قد مرّت عبر
قنوات خاضعة لسلطته. أما الإثراء غير المشروع، فيفترض ازديادا في الذمة المالية لا
يجد تبريرا في الموارد المشروعة؛ وتفترض مسؤولية الغير إثبات أنه سمح بهذا الإثراء
أو يسّره أو غطّاه بفعل أو امتناع يدخل في نطاق مهامه. غير أن هذه الجرائم الثلاث
تشترك في نقطة حاسمة لما سيأتي: مسألة معرفة ما إذا كانت مثل هذه الوقائع يمكن أن
تقع طوال مدة ولاية رئاسية - وقد تصل إلى عشر سنوات إذا
اعتُمدت العهدتان اللتان يجيزهما أقصى ما يسمح به الدستور الموريتاني، كل منهما
خمس سنوات - داخل جهاز مؤسسي يتيح القانون
بالذات وصفه، دون أن يكون وزير المالية الذي كان في منصبه خلال هذه الفترة قد علم
بذلك، أو كان يتوجّب عليه أن يعلم به.
وظيفة تتعارض بنيويا مع الجهل
التام
إن المرسوم رقم 349-2019/PM لا يسرد أي واقعة؛ بل
يحدد وظيفة. وهذا بالذات ما يجعل منه أداة إثبات صارمة، قابلة للاستعمال في كل
الفرضيات ومستقلة عن أي وثيقة من وثائق التحقيق: فهو يقرر ما يُفترض قانونا أن
يعرفه وزير المالية ويراقبه بحكم منصبه وحده، أيا كانت لحظة عهدته، وأيا كانت هوية
شاغل هذا المنصب.
فمادته الثانية تسند إلى الوزير مهمة «تصوّر
وتنسيق ومتابعة تنفيذ السياسة المالية والميزانياتية للحكومة» - وهي وظيفة تصوّر لا تنفيذ سلبي، الأمر الذي يستبعد سلفا دفاع من ينفّذ
تعليمات دون أن يفهمها. وتنص مادته الثالثة على أن الوزير «يوقّع مجاورة على
المراسيم الداخلة في اختصاصاته»: والتوقيع المجاور، في القانون الإداري، ليس إجراء
بروتوكوليا، بل عملا من أعمال الانضمام يرتب مسؤولية خاصة بصاحبه، متميزة عن
مسؤولية رئيس الدولة - بحيث إن كل مرسوم غير قانوني
ذي أثر مالي، ما دام داخلا في مجال اختصاصه، سيحمل من حيث المبدأ توقيعه، وهو ما
يستبعد، ما لم يثبت العكس، أن يكون قد اعتُمد دون علمه.
وتضع المادتان 9 و18 التفتيش الداخلي والمفتشية
العامة للمالية تحت السلطة المباشرة للوزير، إذ تنص المادة 18 على أن المفتشية
العامة للمالية «تمارس ميدانيا ومن خلال الوثائق سلطات المراقبة المخوّلة لوزير
المالية نفسه» - وبذلك فإن أي إخلال في
المراقبة لن يكون أبدا إخلالا يخص الجهاز التقني وحده: بل سيكون بنيويا إخلالا يخص
الوزير الذي يستمد هذا الجهاز سلطاته منه. والأهم من ذلك، تفرض المادة 9 التزاما
إيجابيا غير قابل للتفويض: «يجب أن يُطلع الوزير الأجهزة المختصة بالمراقبة في
الدولة على المخالفات المسجَّلة في مجال التسيير المالي». وهذه العبارة تجعل من
الوزير، وحده دون سواه، حلقة العبور الإلزامية بين اكتشاف مصالحه الخاصة لمخالفة
ما وإحالتها على محكمة الحسابات أو النيابة العامة أو الهيئة الوطنية لمكافحة
الفساد - في أي لحظة من العهدة، من
يومها الأول إلى يومها الأخير.
وأخيرا، تضع المادتان 4 و41 تحت سلطة الوزير أملاك
الدولة والمسح العقاري، والضرائب والجمارك، وتسيير الميزانية والوصاية على الخزينة
العامة. ويستند هذا التمركز المؤسسي إلى مبدأ عريق في القانون الإداري الفرنكفوني،
هو مبدأ الفصل بين الآمرين بالصرف والمحاسبين العموميين - وهو مذهب موروث عن المحاسبة العمومية النابليونية، ولا يزال يشكل أساس
الأنظمة المالية العمومية في موريتانيا والسنغال وفرنسا والمغرب، ويميّز بين الآمر
بالصرف، وهو من يقرر النفقة ويأذن بها، والمحاسب، وهو من يؤديها ويمركزها. ويجعل
المرسوم من وزير المالية الآمر الرئيسي بالصرف أو سلطة الوصاية على جل هذه
القنوات. وهذا التمركز لا يثبت في حد ذاته المشاركة في أي فعل محدد، لكنه يقرر أن
أي عملية اختلاس واسعة النطاق، متكررة طوال مدة عهدة، لا يمكن إحصائيا أن تسلك إلا
قنوات خاضعة لهذه السلطة نفسها.
المنطق القائم على المعضلة
(الاستدلال الثنائي)
وهذه النقطة الأخيرة هي التي تتيح بناء استدلال لا
تتوقف صرامته، عند الحاجة، على أي وثيقة إجرائية خارجة عن المرسوم نفسه - وهو معضلة منطقية، أي استدلال يرتب فرعاه، بالتناوب، شكلا من أشكال
المسؤولية، دون أن يتوفر أي مخرج ثالث.
الفرع الأول: أن يكون الوزير قد علم، أو لم يكن
بمقدوره، في حدود المعقول، أن يجهل المخالفات، بالنظر إلى موقعه التسلسلي على رأس
جميع أجهزة المراقبة. وفي هذه الحالة، يشكّل صمته أو تقاعسه، بحسب درجة المشاركة
الثابتة، اشتراكا في الجريمة، أو إخفاء، أو على الأقل امتناعا عن التبليغ. الفرع
الثاني: أن يكون الوزير قد جهل فعلا هذه المخالفات، رغم صلاحيات المراقبة
والالتزام بالتبليغ اللذين يخوّلهما له المرسوم. وفي هذه الحالة، لا يمكن تفسير
هذا الجهل الممتد إلا بإخلال جسيم ومستمر في ممارسة صلاحياته الرقابية الخاصة - أي خطأ في التسيير، من شأنه أن يرتب مسؤوليته المدنية ومسؤوليته أمام
محكمة الحسابات، إن لم تثبت مسؤوليته الجنائية المباشرة.
ولا تتيح هذه المعضلة وحدها أن يُحدَّد سلفا أي
الفرعين سينطبق على وضعية بعينها - فذلك أمر لا يمكن أن يبتّ فيه
إلا تحقيق قضائي، عند الحاجة، بوثائقه وشهاداته. وكل ما تتيحه هو التأكيد، منذ
اليوم وللمستقبل، أن أيا من الفرعين لن يفضي إلى إعفاء تام وتلقائي من المسؤولية.
ويعرف القانون الجنائي المقارن صورة قريبة من هذا الفرع الثاني: وهي ما يُعرف
بمذهب «التعامي الإرادي» (willful blindness)، الذي كرّسته المحاكم الأمريكية منذ
قرار قضية الولايات المتحدة ضد جويل (United States v. Jewell) لسنة 1976، ونظيره
في الأنظمة القانونية اللاتينية، وهو «القصد الاحتمالي» - أي وضعية فاعل يمتنع عمدا، دون أن يسعى فعليا للتحقق من حقيقة يستشعرها،
عن معرفتها لكي يحتفظ لنفسه بإمكانية الإنكار المعقول. ولا يعامل القانون هذا
الامتناع بوصفه جهلا بريئا: بل يعامله، وفق شروط محددة بدقة، بوصفه معادلا وظيفيا
للعلم ذاته.
أربعة أنظمة للمسؤولية، وأربعة
مستويات للإثبات
على هذا الأساس، قد يفتح القانون الموريتاني أربعة
مسارات مستقلة محتملة، لكل منها مستوى خاص من متطلبات الإثبات - وهي نقطة تحظر الدقة فيها أي خلط، اليوم كما يوم يُطرح السؤال فعليا.
ففي المجال الجنائي، يمكن تصوّر عدة أوصاف:
المساهمة الأصلية أو الاشتراك في الاختلاس، وهو ما يفترض إثبات فعل إيجابي - الأمر بالصرف، أو التوقيع المجاور، أو الترخيص - يكون قد سمح بالعملية موضوع النزاع مع العلم بطابعها غير القانوني؛
والإخفاء، الذي سبق تعريفه أعلاه؛ وعدم التبليغ، الذي يفترض إثباتا موثقا بأن
مخالفة ما قد بُلّغت إلى علم الوزير دون أن تُحال إلى الأجهزة المختصة؛ وغسل
الأموال، الذي يفترض أعمال تسيير سمحت بإخفاء أموال ذات مصدر غير مشروع أو إعادة
إدماجها في الدوائر الميزانياتية. أما في المجال المدني، فقد تُثار مسؤولية الوزير
عن خطأ في التسيير - أي إخلال، حتى لو كان غير
متعمد، بواجب اليقظة - من شأنه أن يؤسس دعوى رجوع
للدولة، أي دعوى تلجأ من خلالها الدولة، بعد أن تكون قد عوّضت عن ضرر ما، إلى
الرجوع على المسؤول لتحميله عبء ذلك التعويض. وفي المجال المالي، تتمتع محكمة
الحسابات، المحدَثة بموجب المادة 68 من دستور 20 يوليو 1991، بسلطة قضائية لزجر أخطاء
التسيير التي يرتكبها الآمرون بالصرف، وهي سلطة مستقلة عن أي متابعة جنائية، ويمكن
أن تُعرض عليها القضية استنادا إلى قوانين التصفية المالية التي تغطي مجموع
العهدة. أما في المجال السياسي، فإن التضامن الحكومي يعرّض كل وزير للأعمال
المتخذة بصفة جماعية، في حين أن المحكمة العليا للعدل، التي أُعيد تنظيمها سنة
2017، لا تبقى مختصة إلا في الوقائع القابلة لوصف الخيانة العظمى - وهو معيار تقييدي لا يشمل بالضرورة جريمة فساد عادية، إذ تؤول هذه الأخيرة
عندئذ إلى القضاء الجنائي العادي أو إلى الأقطاب المتخصصة في المجال الاقتصادي
والمالي، لا إلى المحكمة العليا للعدل وحدها.
ما لا يثبته هذا الاستدلال - ولماذا تشكّل هذه الحدود مصدر
قوته
لا تكمن صرامة هذا البرهان فيما يثبته فحسب، بل
كذلك، وبالقدر نفسه من الدقة، فيما يُقرّ بأنه لا يثبته. فالوظيفة تولّد احتمالا
للعلم، وما يسميه قانون الإثبات الجنائي حزمة من القرائن - أي مجموعة من الملابسات المتقاربة التي يمكن أن تُكوّن معا، دون أن تكفي
أي منها بمفردها، قناعة القاضي. ولن تشكل هذه الحزمة أبدا، وحدها، دليلا. ذلك أن
القانون الجنائي يشترط ركنا معنويا - العلم أو القصد - وركنا ماديا - فعلا أو امتناعا محددين - يخصان الشخص الملاحق بعينه، لا قرينة إدانة ملازمة لمنصب ما. كما أن
الطابع الجماعي للقرار العمومي لا يرتب هو الآخر مسؤولية فردية تلقائية: فقد يكون
التوقيع المجاور قد وُضع استنادا إلى معلومات ناقصة أو أخفاها عمدا فاعلون آخرون،
وهي فرضية لا يمكن استبعادها أو تأكيدها إلا بتحقيق قضائي. أما طول مدة تولي
المنصب، فإن كان من شأنه أن يُضعف فرضية الجهل التام، فإنه لا يُعفي من إثبات،
بالنسبة لكل واقعة محددة يُعتد بها، أن الوزير الذي كان في منصبه في ذلك التاريخ
كان يعلم بها أو كان يتوجب عليه، في حدود المعقول، أن يعلم بها.
وثمة في حقل آخر تماما من حقول القانون - هو القانون الدولي الجنائي - صورة تُنير، عن طريق القياس
والمقابلة، بنية هذا الاستدلال: وهي مذهب مسؤولية الرئيس التسلسلي (مسؤولية
القيادة)، الذي كرّسته لأول مرة المحكمة العليا الأمريكية في قضية الجنرال
الياباني ياماشيتا سنة 1946، والمقنَّن اليوم في المادة 28 من نظام روما الأساسي
للمحكمة الجنائية الدولية، والذي يُقرّ مسؤولية القائد العسكري عن الجرائم التي
يرتكبها مرؤوسوه متى «كان يعلم، أو كان ينبغي له أن يعلم» ولم يتخذ التدابير
اللازمة لمنعها أو قمعها. وهذا المذهب لا ينطبق كما هو على وزير المالية - فهو خاص بقانون النزاعات المسلحة وبتسلسل قيادي من طبيعة أخرى - لكنه يجسّد مبدأ أعم، يوجد أيضا في أساس نظرية السلطة العقلانية-القانونية
التي طوّرها عالم الاجتماع ماكس فيبر في مطلع القرن العشرين: ففي الإدارة الحديثة،
تلتصق المسؤولية بالوظيفة وبالصلاحيات التي تخوّلها، لا بالإرادة الشخصية لشاغلها
وحدها. وهذا هو المنطق ذاته، بعد نقله إلى القانون المالي العمومي، الذي تجسده
المعضلة المعروضة أعلاه.
إن المرسوم رقم 349-2019/PM، بتحديده اختصاصات
وزير المالية الموريتاني، يرسم وظيفة تصوّر وتوقيع مجاور ووصاية ومراقبة، من شأنها
أن تجعل من غير المحتمل بنيويا أن يكون شاغل هذا المنصب، عند نهاية ولاية رئاسية
قد تصل إلى عشر سنوات، قد جهل بصفة مشروعة وقائع فساد أو اختلاس أو إثراء غير
مشروع تثبت في أعلى هرم الدولة التي خدم تحت سلطتها. وسيغلق الاستدلال القائم على
المعضلة - إما العلم والصمت، وإما الجهل
والإخلال بالمراقبة - أمام أي وزير يوجد في هذه
الوضعية عند نهاية عهدته، باب الإعفاء التام والتلقائي من المسؤولية، وسيفتح، بحسب
الوقائع التي قد يثبتها تحقيق ما، مجمل أنظمة المسؤولية المستعرَضة هنا: الجنائية
والمدنية والمالية والسياسية.
وليس تأسيس هذا الإطار سلفا، قبل معرفة أي واقعة،
مجرد تمرين لا طائل منه: فهذا بالضبط ما يحدده التحليل الاقتصادي للقانون، منذ
الأعمال التأسيسية للاقتصادي غاري بيكر حول الردع الجنائي، بوصفه الشرط ذاته
لتحقيق الأثر الرادع لقاعدة قانونية - ذلك أن النتيجة القانونية لا
تغيّر سلوك من تستهدفهم إلا إذا كانت معروفة ومتوقَّعة قبل الفعل، لا مكتشَفة
بعده. وإطار مسؤولية معلَن بوضوح، سلفا ولفائدة الجميع، أجدى، من زاوية الحوكمة
العمومية، من صمت لا يُكسر إلا بعد وقوع فضيحة.
غير أن هذه الخلاصة البنيوية لا تُعفي في أي لحظة
سلطة المتابعة - النيابة العامة، ومحكمة
الحسابات، والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، التي يندرج عملها ضمن الإطار الأوسع
الذي حددته اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، وموريتانيا من بين الدول
الخاضعة للاستعراض بموجبها - من الالتزام بأن تُثبت،
بالنسبة لكل شخص مسمى بعينه، الأفعال المحددة والعلم الفعلي أو الإهمال الموصوف
التي من شأنها أن تحوّل هذا الاحتمال المؤسسي إلى مسؤولية قائمة على أساس قانوني.
وبهذا الشرط وحده يبقى هذا البرهان، الصارم في بنيته، متوافقا أيضا مع مقتضيات
المحاكمة العادلة وقرينة البراءة، التي كرّستها المادة 13 من الدستور الموريتاني
الصادر في 20 يوليو 1991. فالقانون يُغلق باب الإعفاء التلقائي؛ لكنه لا يفتح،
وحده، أي باب لإدانة شخص بعينه. وبين الأمرين، لا يوجد سوى عمل التحقيق، الصبور
والمنهجي - يوم يصبح ضروريا، إن جاء ذلك
اليوم.
كل ولاية تشريعية نهاية، وعلى كل مسؤول أن يحمي شخصه
ونزاهته، لا من خلال الطبيعة الزائلة للعمل السياسي، بل عبر ثبات القانون
وديمومته.
الأستاذ مصطفي أحمد علي
ملاحظة: إن هذا التحليل إطارا عاما واستشرافيا، ينطبق على أي وزير للمالية يجد نفسه، عند نهاية أي ولاية رئاسية مقبلة، في الوضعية الموصوفة - لا على شخص مسمى بعينه، سواء كان في منصبه حاليا أم لا. ويستند حصرا إلى المرسوم رقم 349-2019/PM المحدد لاختصاصات وزير المالية الموريتاني وإلى القانون الجنائي والمدني والمالي والدستوري الموريتاني الساري المفعول، دون الإحالة إلى أي قضية سبق الفصل فيها. ولا يشكل هذا التحليل قرار اتهام، ولا خبرة قضائية، ولا موقفا رسميا، ولا يجوز أن يُقرأ على أنه يستهدف شخصا بعينه.
