الأربعاء، جانفي 28، 2026

في كرامة الأستاذ الموريتاني : عندما تُهان النخبة في عقر دارها. بقلم أ. أحمد علي مصطفى

في الوقت الذي تراهن فيه الأمم الناهضة على التعليم كقاطرة للتنمية، وتضع المعلم والأستاذ الجامعي في أعلى مراتب التقدير الاجتماعي والمادي، يبدو أن المشهد في موريتانيا يسير في اتجاه معاكس ومقلق. لم يعد الحديث عن "تهميش" الأستاذ مجرد شعارات استهلالية في الخطابات النقابية، بل تحول إلى واقع ملموس وموثق، ولعل البيان الصادر عن المكتب التنفيذي للنقابة الوطنية للتعليم العالي (SNESUP) بتاريخ 28 يناير 2026، يشكل أحدث وأصدق دليل على الدرك الذي انحدرت إليه معاملة "بناة الأجيال".

المحكمة الصورية.. والمحاكمة الحقيقية للقيم

إن ما كشفته الوثيقة النقابية الصادرة عقب أحداث "المحكمة الصورية" بكلية العلوم القانونية والسياسية، يحمل مفارقة مؤلمة وموجعة. ففي رحاب كلية تُعنى بتدريس القانون والعدالة، وأثناء نشاط يفترض أن يرسخ قيم الاحترام والمرافعات الراقية، تعرض نقيب أساتذة التعليم العالي ونخبة من الأساتذة للإساءة. إن الحادثة، كما يصفها البيان، لم تكن مجرد سوء فهم عابر، بل "تصرفاً غير لائق ينم عن مستوى مرفوض"، ومساساً بكرامة الأستاذ وإنزاله من "المنزلة اللائقة".

عندما يُهان الممثل الشرعي للأساتذة (النقيب) في محفل عام، فإن الإهانة لا تلحقه كشخص، بل هي صفعة موجهة للجسم الأكاديمي برمته، ورسالة سلبية مفادها أن الرمزية النقابية والعلمية لم تعد تشكل حصانة في وجه سياسات التهميش والاستهتار.

كرامة الأستاذ.. الخط الأحمر الذي تم تجاوزه

لقد رفع البيان شعار "كرامة الأستاذ خط أحمر"، وهو شعار يلخص جوهر الأزمة. إن المعاناة لم تعد تقتصر على المطالب المادية المشروعة - رغم أهميتها وإلحاحها كما ورد في البند الثالث من البيان الذي يطالب بالتعامل بجدية مع العريضة المطلبية - بل تجاوزتها إلى "الحقوق المعنوية" و"هيبة الأستاذ الجامعي".

إن الوثيقة المرفقة تضعنا أمام حقيقة صادمة: هناك "سياسة تهميش" ممنهجة، وهناك استسهال في النيل من القامات العلمية. وإذا كانت النقابة قد أبدت مرونة سابقاً وفضلت "خيار الشراكة والحوار"، فإن هذا البيان يأتي ليؤكد أن الصبر قد نفد، وأن التهاون في الكرامة هو انتحار مهني وأخلاقي لا يمكن القبول به.

الدعوة للمحاسبة.. صرخة لاستعادة الهيبة

إن مطالبة النقابة في بيانها بـ "الاعتذار" و"محاسبة المسؤولين" وضمان "عدم التكرار"، ليست مجرد رد فعل انفعالي، بل هي محاولة أخيرة لترميم ما تبقى من هيبة الحرم الجامعي. فغياب المحاسبة يعني تشريع الباب أمام المزيد من التجاوزات، وتحويل الجامعة من فضاء للعلم والاحترام المتبادل إلى ساحة للصراعات وتصفية الحسابات الضيقة التي لا تليق بمقام العلماء.

 قضية وطن لا قضية فئة

إن ما حدث في كلية العلوم القانونية والسياسية، وما وثقه هذا البيان، هو جرس إنذار للدولة والمجتمع الموريتاني. إن الأستاذ المهان لا يمكنه أن يربي جيلاً عزيز النفس، والأستاذ المهمش لا يمكنه أن يقود قاطرة البحث العلمي والإبداع.

إن التضامن مع ما ورد في بيان النقابة الوطنية للتعليم العالي ليس انحيازاً لفئة مهنية، بل هو انحياز لمستقبل موريتانيا. فالتعليم العالي هو "الرأس" الذي يفكر به المجتمع، وإذا أصيب الرأس بالصداع أو تعرض للضرب، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. حان الوقت لرفع اليد عن كرامة الأستاذ، والاستجابة الجادة للعريضة المطلبية، قبل أن نجد أنفسنا أمام صرح تعليمي خاوٍ من الروح، تسكنه الأجساد وتغادره العقول والكرامة.

 أ. أحمد علي مصطفى

 

 

طالع المقال »